في المدارس، نرى من حياة الأطفال ما لا تقوله ملفاتهم. نلمس قلقًا خلف صمت، وحزنًا يتوارى وراء سلوك مرتبك، ونبحث أحيانًا عن سبب تراجع طالب، فنجد أن ما يشغله أكبر من درس لم يفهمه أو واجب لم ينجزه. وحين نحاول التواصل مع أسرته، قد يتقدم سؤال: «من يحمل صك الحضانة؟» على سؤال أهم: «ماذا يحتاج هذا الطفل، وكيف نتعاون من أجله؟».

للإجراءات ضرورتها، وللأحكام القضائية احترامها، غير أن المشكلة تبدأ حين يُختزل حضور الوالدين في وثيقة، ويُعامل الطرف الآخر كأنه لم يعد أبًا أو أمًّا. عندها ينتقل الخلاف من علاقة انتهت بين بالغين إلى حياة طفل ما زال يحتاج إليهما، ويصبح اقترابه من أحدهما سببًا لغضب الآخر، وحديثه عن لحظة سعيدة معه موضع استجواب، حتى يتعلم أن يخفي بعض مشاعره ليحافظ على هدوء البيت.

ينتهي الزواج، وتبقى حياة أنجبها الطرفان معًا. تبقى أسئلة الدراسة والصحة والتربية، ومخاوف الطفولة وتحولات المراهقة، والحاجة إلى من يسمع ويطمئن ويتابع. ولا تختصر هذه المسؤولية حوالة مالية، مهما بلغت ضرورتها، كما لا يكفي فيها أن يعيش الطفل تحت سقف أحد والديه. الرعاية حضور يتجدد في التفاصيل: موعد طبي لا يُنسى، وتعثر دراسي يجد متابعة، وموهبة تجد تشجيعًا، وخوف يستطيع الطفل أن يتحدث عنه دون أن يتحول حديثه إلى مادة في خصومة.

ومن المؤسف أن يتحول صك الحضانة عند البعض إلى أداة إقصاء، أو أن يتخذ الطرف الآخر من عدم الحضانة مبررًا للانسحاب. كلا السلوكين يترك الطفل أمام نقص لم يصنعه. فالحضانة أمانة في الرعاية، واستمرار الأبوة والأمومة مسؤولية لا ينبغي تعليقها على الرضا عن الطرف الآخر. وقد يختلف حجم الأعباء التي يؤديها كل منهما، لكن مصلحة الابن تستحق أن يجدا طريقة عادلة وواضحة لتحملها، بحسب ظروفهما وقدرتهما وما تقضي به الأحكام المنظمة لعلاقتهما به.

وهنا أتساءل: هل نحتاج إلى مقياس للمسؤولية الوالدية بعد الطلاق؟ مقياس مهني يرصد الرعاية التعليمية والصحية والدينية والاجتماعية والمالية، ويطرح أسئلة تتصل بحياة الطفل فعلًا: من يتابع دراسته؟ من يحضر عند حاجته؟ من يلتزم بنفقاته؟ من يدعم علاقاته الآمنة؟ وكيف يتعاون الطرفان في القرارات التي تخصه؟ والأهم: هل يحميانه من خلافاتهما، أم يستدعيانه في كل مرة ليكون شاهدًا أو رسولًا أو حكمًا بينهما؟

تستحق هذه الفكرة أن تتبناها الجهات المختصة بالشراكة مع التربويين والمتخصصين في الإرشاد الأسري؛ لتكون أداة تكشف مواطن التقصير وتوجّه المساندة. ومن الضروري أن تراعي اختلاف الظروف والقدرات، وألا تساوي بين غياب يختاره صاحبه وغياب تفرضه عوائق أو ممارسات إقصائية. قيمتها في أن تقود إلى خطة رعاية واضحة، يستطيع كل طرف أن يعرف من خلالها ما عليه، وتجد الأسرة مساعدة مبكرة قبل أن تتراكم آثار الخلاف على الأبناء.

وللمدرسة دور مهم في هذه المساحة. فهي تتابع تعلم الطفل وعلاقاته وسلوكه، وقد تلتقط حاجته إلى الدعم قبل أن يستطيع التعبير عنها. ومن واجبها أن تتعامل مع أوضاع الأسر بوعي ومهنية، وأن تنظم تواصلها وفق الأنظمة والأحكام القضائية، وتحفظ خصوصية الطفل، وتمنع انتقال الخصومة إلى بيئته التعليمية. فلا يصبح تسليم تقرير أو حضور مناسبة مدرسية ساحة نزاع، ولا يُطلب من الطالب أن يشرح خلافات أسرته حتى يحصل على ما يحتاجه من رعاية.

وحين ندعو إلى تعاون الوالدين، فإننا نعني تعاونًا يحفظ الأمان والكرامة، ويراعي الحالات التي تستوجب حماية الطفل من الأذى أو تقييد التواصل وفق ما تقرره الجهات المختصة. أما حيث يكون التواصل آمنًا، فمن حق الطفل أن يحب أباه وأمه دون شعور بالذنب، وأن يفرح بلقائهما دون خوف، وأن يحتفظ بمكانته ابنًا عزيزًا على كليهما.الأبناء لم يختاروا زواج والديهم، ولم يختاروا انفصالهما، وليس من العدل أن يتحملوا فاتورة الصراع بعده. وقد يتعذر على شخصين أن يكملا حياتهما زوجين، ويظل في وسعهما أن يحسنا التصرف والدين. وهذا يحتاج إلى وعي يسبق الغضب، وإلى اتفاقات تُحترم، وإلى إدراك أن استقرار الطفل أولى من الانتصار في خصومة. فالمسؤولية الوالدية تظهر كل يوم، حين يطمئن الابن إلى أن خلاف أبويه لم يجعله أقل حبًّا، ولا أقل رعاية، ولا وحيدًا بين بيتين.