في العربية، «آن» فعل ماضٍ، لكننا حين نقول «آن الأوان» نتطلع إلى فعل لم يحدث بعد. كأن اللغة تعلن أن الانتظار أخذ نصيبه، ثم تسألنا: ماذا سنفعل؟ وفي تعليمنا ملفات تستحق هذه العبارة؛ لأن الطالب يواصل رحلته، والمعلم يؤدي عمله، والأسرة ترتب مستقبل أبنائها، بينما يحتاج الجميع إلى إجابات واضحة عن الوجهة، وعن أثر ما نطبقه في المدرسة.

لدينا طموح تعليمي كبير، وحركة تطوير تستحق أن يصاحبها حوار بالقدر نفسه من الجدية. ومن حق هذا الطموح علينا أن نسأل عن النتائج، وأن نراجع التجارب، وأن نميز بين قوة الفكرة وجودة تنفيذها. فالمشروع الذي يخضع للسؤال تتاح له فرصة التصحيح، والقرار الذي تُشرح أسبابه يجد في الميدان شركاء يفهمونه ويستطيعون العمل به.

آن الأوان أن نسأل عن نظام المسارات في المرحلة الثانوية: هل حقق ما نرجوه من توسيع خيارات الطالب وربط تعليمه بميوله ومستقبله؟ وهل الخيارات المتاحة فعليًا في المدارس تمنحه هذا الحق؟ ما الذي تقوله تجربة الخريجين، والقبول الجامعي، وتوافر المعلمين والتجهيزات؟ والسؤال الأكثر صراحة: هل تعثرت التجربة في جوانب جوهرية، ونخجل من تسمية التعثر؟ وهل بلغ شيء منها حد الفشل وفق معايير معلنة؟ نحتاج إلى تقييم يبين ما نجح، وما تعثر، وما ينبغي تعديله، حتى يكون الحكم على التجربة معلوم الأسباب.

آن الأوان أن يتضح مستقبل الإشراف التربوي. مع التحول نحو تمكين المدرسة ودعم تميزها، هل هناك توجه لإلغاء الإشراف التربوي بالكامل، أم لإعادة بناء وظائفه وأدواره؟ وما حدود كل احتمال؟ من يساند المعلم في تخصصه، ومن يساعد المدرسة حين تحتاج إلى خبرة لا تتوافر داخلها؟ وكيف نضمن ألا تتحول زيادة مسؤوليات المدرسة إلى عبء يتجاوز صلاحياتها ومواردها؟ يحتاج الميدان إلى صورة واضحة لما سيبقى، وما سيتغير، وكيف سيصل الدعم إلى الصف الدراسي.

آن الأوان أن نفتح ملف الرخصة المهنية والتميز المدرسي والاعتماد. لهذه الأدوات وظائف مختلفة، وللاعتماد المدرسي نطاق يختلف عن الاعتماد الأكاديمي في التعليم العالي، لكن سؤال الأثر يجمعها: ماذا أضافت إلى جودة التعليم؟ وما الكلفة المالية والزمنية والإدارية التي يتحملها المعلم والمؤسسة؟ وكيف توزن هذه الكلفة بما يتحقق من تحسن؟ وهل الأولوية في تصميمها للجودة التربوية، أم تغلب عليها اعتبارات الرسوم والإيرادات أو خفض النفقات؟ كفاءة الإنفاق مطلوبة؛ فما المؤشرات التي تؤكد أن الموارد والوقت المبذولين يصل أثرهما إلى تعلم الطالب، وإلى دعم المعلم في عمله؟

آن الأوان أن نسأل عما يأتي بعد الاختبار. «نافس»، والاختبارات الدولية، والاختبارات المركزية، أدوات تختلف في أغراضها ونطاقها، ولا يصنع القياس وحده طالبًا متفوقًا. السؤال: هل تحولت نتائجها إلى تدخلات تعليمية حسّنت القراءة والفهم والتفكير والحساب؟ هل يعرف المعلم ماذا تغير في تدريسه بناء عليها؟ وهل تجد المدرسة التي كشفت النتائج حاجتها إلى المساندة دعمًا يناسب تلك الحاجة؟ وكيف نتحقق من أن ارتفاع الدرجة يعكس تعلمًا أعمق يمتد إلى مواقف جديدة، وأن الاستعداد للاختبار يحفظ وقت التعلم واتساعه؟ نريد أن نرى ما الذي صنعناه بالنتيجة بعد أن عرفناها.

آن الأوان أن يتصالح طلابنا مع اختبارات القدرات والتحصيلي؛ والمصالحة هنا تعني وضوح العلاقة بين ما يتعلمه الطالب في المدرسة وما يُطلب منه عند بوابة الجامعة. إلى أي مدى تُبنى المهارات اللازمة داخل يومه الدراسي؟ وكيف تتاح له تهيئة جيدة بصرف النظر عن قدرة أسرته على دفع تكاليف التدريب؟ وما الذي تقوله الدراسات عن عدالة الفرص، وعن علاقة نتائج هذه الاختبارات بالأداء الجامعي اللاحق؟ وهل نستمع إلى تجربة الطالب نفسه، وإلى ما يحتاجه ليفهم الاختبار ويستعد له بثقة؟ مستقبل الطالب يستحق أن تتكامل أدوات تعليمه وتقويمه وقبوله، وأن يعرف الطريق الذي يسير فيه.

آن الأوان أن تتضح أيضًا وجهة الخصخصة والشركات التعليمية. أي وظائف تعليمية وتشغيلية يراد إسنادها إلى القطاع الخاص؟ وما نطاق ذلك، ومراحله، ومواعيد التنفيذ؟ وكيف تُقاس جودة الخدمة، وتُحمى عدالة الوصول إليها، وتُشرح آثار التحول على العاملين والأسر؟ مشاركة القطاع الخاص يمكن أن تفتح فرصًا، لكن تقديرها يحتاج إلى معرفة النموذج وشروطه ومسؤوليات أطرافه. والسؤال عن الموعد يصاحبه سؤال عن الجاهزية: ماذا أُعدّ لضمان أن ينعكس التغيير في التشغيل على تجربة الطالب داخل المدرسة؟

هذه الملفات تلتقي عند طالب واحد. يختار مسارًا، ويتعلم على يد معلم، وتُقوَّم مدرسته، ويدخل اختبارات، ثم يتطلع إلى الجامعة والحياة. لذلك نحتاج، إلى جانب إجابة كل ملف، إلى إجابة عن العلاقة بينها: من يقرأ أثرها مجتمعة على رحلته؟ وهل تصل الرسائل إلى الطالب وأسرته في صورة يستطيعان فهمها والتخطيط على أساسها؟

آن الأوان لإجابات تتضمن بيانات قابلة للفهم، وتقييمًا معلنًا، وخطة للتحسين، ومواعيد يمكن متابعة ما يتحقق فيها. ويمكن أن يبدأ ذلك ببيان دوري يشرح لكل ملف: ما هدفه؟ أين وصل؟ ماذا تعلمنا من تطبيقه؟ وما الخطوة التالية؟ الاعتراف بالتعثر يمنح التطوير فرصة، وشرح النجاح يمنح الميدان معرفة يمكن البناء عليها. آن الأوان أن نحسم ما يحتاج إلى قرار، وأن نشرح ما يحتاج إلى وقت؛ فطلابنا يعيشون تعليمهم الآن، وكل عام يمر يصبح جزءًا من مستقبلهم.