عدد الشاشات أمام الإنسان في ازدياد مستمر لمحاصرته بالمعلومات الموجهة، فإلى أين نسير؟
نحن لا نسير إلى مزيد من المعلومات، نحن نسير إلى مزيد من التوجيه.
زمان كانت شاشة واحدة في البيت، التلفزيون، ولها وقت إغلاق. اليوم أمامك 5 شاشات تحاصرك بنفس اللحظة: هاتفك، سيارتك، عملك، ساعتك، نظارتك، خاتمك، السوبرماركت، وحتى المصعد. المشكلة ليست في كثرة الشاشات، المشكلة في ثلاثة تحوّلات خطيرة:
1. من معلومة تبحث عنها، إلى معلومة تبحث عنك.
قبل كنت تذهب أنت للمعلومة. اليوم الخوارزمية تدرس خوفك، مللك، غضبك، وترسل لك المعلومة التي تبقيك ملتصقاً. لسنا مستهلكين للمعلومة، نحن وقودها.
2. من نافذة على العالم، إلى مرآة لنفسك.
كل شاشة تعطيك ما يؤكد ما تعتقده أصلاً. الشاشات لا توسع رؤيتك، بل تحبس كل واحد في فقاعة. لذلك نرى نفس الحدث وكل واحد يفهمه بشكل معاكس تماماً.
3. من وقت فراغ، إلى لا وقت فراغ.
قبل كان العقل يمل فيفكر، يتأمل، يحفظ، يخترع. الآن أي ثانية ملل نغطيها بشاشة. قتلنا المساحة التي كان يولد فيها الوعي.
إلى أين نسير؟
على الأرجح أننا نسير إلى واحد من طريقين:
طريق الأغلبية: هو إنسان مشتت، ذاكرته خارجية في الهاتف، تركيزه لا يزيد على ثماني ثوانٍ، سهل التوجيه، يظن أنه يعرف كل شيء وهو لا يعرف نفسه. يستهلك محتوى أكثر وينتج فهماً أقل.
وطريق الأقلية: إنسان يتعلم الصيام الرقمي. يختار متى يفتح الشاشة ولماذا. يحول الشاشة من سيد إلى خادم.
القاعدة الذهبية اليوم ليست «اعرف أكثر»، بل من لا يتحكم في مدخلاته، سيتحكم الآخرون في مخرجاته.
الحل ليس أن تكسر الشاشات. الحل أن تضع لها حدوداً مثل أي أداة خطيرة:
شاشة واحدة في وقت واحد، وقت بلا شاشات قبل النوم وبعده بساعة، لا تفتح الشاشة وأنت في حالة عاطفية مضطربة مثل حالات الغضب، القلق، والوحدة.
ويبقى السؤال الحقيقي هو ليس كم شاشة أمامك، بل: هل أنت من يستخدم الشاشة، أم الشاشة هي التي تستخدمك؟


