كثيرة هي التصريحات الإيرانية التي تفاخر بنقطة واحدة تشكّل حتى يومنا هذا عقدة النظام الإيراني، وربما تكون سبب سقوطه أو تفككه: السيطرة والنفوذ. ثمّة لهاث إيرانيّ غير عاديّ طبع مسار هذا النظام منذ نشوئه عام ١٩٧٩ إلى يومنا هذا للسيطرة على المنطقة العربية وإن أدى الأمر إلى إحراق إيران والنظام نفسه.
على مدى أعوام، تفاخر المسؤولون الإيرانيون بما اعتبروه «امتداد قوة إيران الجغرافية إلى شرق المتوسط»، وباتساع حدود ما أسمته «الردع التقليدي» وأن لا قضية في المنطقة يمكن حلّها دون إرادة طهران كما صرّح على سبيل المثال لا الحصر حسين سلامي، القائد العام للحرس الثوري الإيراني الذي قتلته إسرائيل عام ٢٠٢٥، وصولاً إلى التصريح الشهير لمسؤول إيراني بأن إيران «تسيطر على أربعة عواصم عربية» وأن الحوثيين، الذين يعتدون على المملكة العربية السعودية، هم «إحدى نتائج الثورة الإيرانية». كثيرة هي التصريحات الإيرانية المشابهة، تماماً كمفاخرة أركان النظام الإيراني اليوم بسياسة «رفع الكلفة على الدول العربية» بذرائع مختلفة لهدف واحد.
وهنا تكمن مشكلة نظام إيران الحالي، لا بل عقدته. إنها الدول العربية، وكسر النموذج الذي تمثّله، وفي مقدّمتها المملكة العربية السعودية. وإذا كانت مشكلة إيران مع العراق كما أشرت في مقالي الأسبوع الماضي، الجغرافيا والقوة العسكرية، فمشكلتها مع المملكة العربية السعودية هي أكبر وأشمل وأعمق، فهي تتعلّق بالدور والثقل والمكانة.
تؤرق السعودية إيران منذ نشوء نظامها عام ١٩٧٩. تحلم إيران بالعظمة في منطقتنا، ليس بالتطوّر والتنمية والشراكات، لكن بالتدمير والاعتداءات والسيطرة. منذ نشوء النظام الإيراني، هاجم المرشد الإيراني الخميني دول الخليج، وحاول عبثا فرض نفسه «كحامي للمسلمين» فخسر رهانه. لذلك، كان لا بدّ من استغلال القضية الفلسطينية من بوابة الثورة الإيرانية التي تدّعي نصرة «المستضعفين»، وذلك للتمدد في العالم العربي، وقد نجحت نسبيّا في مرحلة معيّنة من اختراق مجتمعات عربية في دول مثل لبنان وسوريا وهي دول تحتلّ إسرائيل أجزاء من أراضيها.
وشكّل سقوط العراق عام ٢٠٠٣ فرصة لإيران لتوسيع نفوذها ولتبديل ميزان القوى لصالحها. لسنوات، عملت على محاصرة المملكة لكن دون جدوى، فكانت خطوتها دعم الحوثيين منذ عام ٢٠٠٩.
من لبنان إلى سوريا فالعراق واليمن، كل ما زرعته إيران من ضرب لسيادة الدولة لعقود في هذه البلدان والذي ندفع ثمنه اليوم، لم يكفِ. وكلما كانت تهدم مقدّرات دول المنطقة، كانت المملكة تضع حجرا للبناء وللتقدّم.
تستكمل إيران اليوم مشروعها في استهداف المملكة ومن خلالها المنطقة العربية ككلّ. وهنا، لا بدّ من التنبيه إلى أنه حتى وإن تقاطعت مصالح بعض الدول مع ما تقوم به إيران عبر وكيلتها جماعة الحوثيين في البحر الأحمر، واستفادت منه للضغط على السعودية، فإن إيران نفسها في حسابات هذه الدول ليست إلا أداة مرحليّة، تماما كما تستخدم هي أدواتها في دول المنطقة. فالجميع يدرك أنه لا يمكن تجاوز المملكة سياسيا ودينيا واقتصاديّا، وأن أمن المملكة من أمن المنطقة.
ثمة صفة تلازم تاريخ المملكة العربية السعودية منذ نشوء دولتها قبل ٩٦ عاماً إلى يومنا هذا: الثقل، وهي صفة واكبت مسار المملكة بكل تقلّبات مراحلها والأحداث التي عرفتها داخلياً وخارجياً.
هذا الثقل هو معادلة فرضتها الطبيعة للداخل والخارج، بأن ثمّة خطّاً أحمر لا يمكن لأي كان تجاوزه وكسره. ففكرة وراثة المملكة هي مقتلة من يقع في أسرها، وهذا ما لا تفهمه إيران بعد.


