أحياناً تغدو الكتابة عن الوطن والحبيبة؛ أشق كتابة. كأن الكاتب لا يجد ولا يجيد من الأبجدية حرفاً، ولا يملك من البلاغة أسلوباً؛ والوطن والحبيبة وجهان لعشقٍ واحد. وإن كان لا يمكننا تحويل الوطن إلى حبيبة؛ إلا أنه لا خير في حبيبة لا تغدو وطناً.
وكيف بالإمكان ضمّ هذه الجهات، وحشرها في أسر الكلمات؛ في وطنٍ يتجاور فيه؛ الواقعي والخيالي، والعقلي والنفسي والروحي، والنسبي والمُطلق، والخاص والعام، والاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والفنّي والرياضي، والمُتقادم والمتجدّد والجديد، والجماعي والفردي؛ والمعرفي والفكري، والمعقول وغير المنطقي؛ وتظل مشاعرنا العفويّة صمام الأمان، والانتماء الذي لا نحتاج إلى تأكيده، مانح شرعيّة التعبير عن ذواتنا بكل ما فيها من تجاورات، عن تطلعاتنا باعتبارنا عُشاقاً تعوّدنا من وطننا تحقيق الإنجازات.
يرتبط الكائن الحيّ بالمكان، الذي فتح عينيه على محياه؛ شأن المولود الذي يصافح وجه أمه بأول نظرة؛ قبل أن تحتضنه أفئدة وأحضان بقيّة عائلته؛ إلا أن المولود مُعدٌّ مُسبقاً ومُزوّد فطريّاً بما يعينه على فراق والدته؛ بخلاف المواطن النابت من أرضه؛ إذ يتعذر عليه أن يكون كامل الأهلية أو الصلاحية متى خرج عن وطنه وكأنه شجرة يراد لها أن تُثمر بعيداً عن تربتها الأولى؛ فلا حياة مكتملة؛ دون وطنٍ يتصل به بعلاقة عضوية، لا تحتمل القطيعة؛ وأحياناً إن غالبته قسوة معيشية؛ يقول؛ يكفيني الماء والهواء؛ وتأمل فجوج الأرض، وبروج السماء.
من ليس له وطن؛ لا جذور له تحميه من اليباس، ولا عزوة تسنده من كل الأجناس؛ ويشعر بأنه عارٍ مهما اكتسى من لباس؛ وللوجود الوطني، معنى كبير على التوصيف؛ لا يقبل التأويلات ولا التنازلات؛ خصوصاً عندما تكون للوطن قيادة وفيّة لشعبها؛ تعيش في وجدانه بالرمزيّة التاريخية، وبالمعايشة الحسيّة؛ فكأن كل شبر من المعمورة ناطق باسم القادة الملوك من عبدالعزيز إلى سلمان، وكل طود شامخ يحمل على كاهله صورةً ناطقة بالعرفان والامتنان.
في ذكرى يوم وحدتنا الوطنية، تضيق مصطلحات المعاجم والقواميس، وتعجز عن توفير ما يلزم من مفردات تليق بالمقام، إذ لا يليق بكل مقام مقال مُستهلك ومُستعاد؛ فالمشاعر المشروعة تريد أن تسكَّ لغتها الخاصة كي لا تشتبه ولا تتشابه مع ما قيل وما سيقال؛ وأنى لها ذلك؟.
الرحيلُ عن الوطنِ مُختبرُ الحنين، والبُعد مسافةٌ مسكونةٌ بالالتفات إلى الوراء؛ وتحريكٌ لأوتار العتب؛ واستسلام للعادة والإعادة؛ في حين أنّ شروق الوطن محرابٌ تستحثُ تلاوات صلواته إلى قبلته النفوس، وغروبه مآذن تتجلى منها أنفاس من رحيق الفردوس؛ وكل وطنٍ لا يحنُّ مواطنوه إليه ليس جديراً بالتذكر ولا تطويق جيده بالذكريات.
تلويحة؛ لم يكن وطني يوماً لأنفسنا فقط، شأن الأوطان التي كُلٌّ منها يدلُّ على نفسه؛ ويشير إلى أناه؛ فهو سخيّ الطبع، كريم السجايا، ونحن معه في حلمه وواقعه وكل أحواله، وإن كان لا يحيّي آمال الإنسان مثل أحلامه، ولا يميتها إلا واقع رتيب خال من الأحلام.


