يغيب القمر ونعيش السهر وآهات الألم في ليالي الفراق والسهر بقينا فين وهي راحت فين شوف خدتنا لفين

وشوف سابتنا فين

نحمل قناة الذاكرة داخل أرواحنا تحمل إلينا ما عجز الزمن عن محوه

تعبر من خلالها الوجوه القديمة، والأصوات البعيدة، ورائحة البيوت الأولى، وضحكات الصبا، وخطوات الذين كانوا يملأون المكان حياة ثم مضوا، وبقيت أمكانهم معلقة في القلب كأنها تنتظر عودتهم.

من قناة الذاكرة، تطل علينا أعمارنا التي مضت نرى أنفسنا صغاراً، نركض في أفنية البيوت، وننام على أسطحتها نراقب النجوم وتضاريس القمر، نمتطي صهوة أحلامنا الطفولية، نسمع أصواتاً بعيدة، نتكور على أنفسنا داخل ناموسية تنصبها أمي تحمي بها صغارها لسعات الناموس وهوام الليل.

نتشاجر على أشياء صغيرة ثم نتصالح سريعاً، نضحك من أعماقنا دون أن نسأل أنفسنا عن الغد.

كان البيت يومها أضيق من أحلامنا، لكنه كان أوسع من الدنيا كلها؛ لأن الذين نحبهم كانوا مجتمعين تحت سقفه.

مر العمر سريعاً، وكبرنا قبل أن ندرك أننا كنا نعيش أجمل أيامنا. كنا نستعجل الكِبَر، ونحسب الحرية بيتاً مستقلاً ومالاً وقراراً لا يشاركنا فيه أحد.

لم يخبرنا أحد أن للكِبَر ضريبة، وأن من أثقل فواتيره تفرّق الذين كانوا يصنعون من البيت وطناً صغيراً دافئاً.

تفرّق شمل الأحبة رحل الأب، ذلك العمود الذي كان يمنح البيت توازنه وهيبته، سبقته الجدة بحضنها الآمن وحكاياتها اللذيذة، غابت الأم أو أثقلتها السنون، فقدنا أخاً كان السند والعون، وبقيت صورته في زاوية من البيت، وبقيت دعواتنا تلاحقه إلى السماء.

يموت الإنسان، لكن صوته لا يموت يظل رغم الرحيل، تمر بجوار غرفة قديمة، فتسمع في أعماقك ضحكة غائبة. وقد تقع عيناك على كرسي اعتاد أن يجلس عليه أحدهم، فتشعر أن المكان ما زال يحتفظ بشيء منه.

بعض البيوت لا تخلو من سكانها فقط، تخلو من أرواح كانت تمنح جدرانها معنى.

يبقى البيت واقفاً، لكن روحه ترحل مع الذين غابوا تتذكر غيبوبة العناق وتمتمة الشفاه بالدعاء وغمغمة القلوب بشهقات الوداع.

ما أقسى أن يصبح البيت الذي كان يضيق بأهله من كثرتهم، واسعاً إلى درجة موجعة!

كان اجتماع الأسرة لا يحتاج إلى دعوة ولا موعد.

كان الطعام يوضع على مائدة واحدة، والأيدي تمتد إلى صحن واحد، والضحكات تتداخل، والأصوات تتعالى، لكن أحداً لم يكن يظن أن تلك الفوضى الجميلة ستصبح يوماً واحدة من أثمن ذكريات العمر.

تفرّق الأبناء كل في طريق بحثاً عن لقمة العيش، وهذه تزوجت وصار لها بيت وأطفال، وآخر رحل عن الدنيا، فلم يبقَ منه سوى صورة ودعاء وذكريات لا تشيخ.

نعرف بعد فوات الأوان قيمة الأرواح التي كانت في حياتنا بعد أن تفقد قدرتها على العودة.

صوت الأم، سؤال الأب، لم تكن أشياء عابرة كانت اختصاراً لمعنى الأسرة كلها.

شجار الإخوة ومناكفاتنا لم تكن خصومة، كانت لوناً من ألوان الألفة، لأن الذين يتخاصمون تحت سقف واحد يملكون دائماً فرصة العودة

اليوم، نمت المسافات، وكبرت المسؤوليات، وصارت الزيارة تحتاج إلى إجازة، واللقاء إلى موعد، والعناق إلى مناسبة..

تلك هي المفارقة المؤلمة في رحلة العمر، نبحث طويلاً عن السعادة، ثم نكتشف أنها كانت تجلس معنا على مائدة واحدة، وتنام في الغرفة المجاورة، وتنادينا من آخر الممر، وتطرق بابنا بلا استئذان.

كانت الحياة أبسط، والقلوب أقرب، والفرح أقل كلفة، والضحكة أكثر عفوية، والناس يعرف بعضهم بعضاً لا من خلال شاشة، وإنما من خلال عشرة الأيام ودفء المجالس وحديث الألفة والذكريات..

التحديق في قناة الذاكرة وجع روحي متجدد.

كل صورة قديمة يمكن أن تكون باباً إلى حزن عزيز، وكل رائحة قديمة تستطيع أن تعيد إلينا زمناً كاملاً، وكل اسم غائب قد يوقظ في القلب غرفة مغلقة منذ سنوات..

ومع ذلك، تبقى الذاكرة الشاهد الأخير على أننا عشنا، وأحببنا، وعشقنا وضحكنا، وتعلقنا بأشخاص تركوا في أرواحنا أثراً لا يستطيع الموت محوه.

يا جيل اليوم لا تؤجل المحبة، اجلس مع أبيك، وأكثر من سماع صوت أمك، واحتضن إخوتك، وصل رحمك، واسأل عن صديق غاب، واغتنم اللقاء قبل أن يتحول الحضور إلى ذكرى.

لا تنتظر عيداً ولا مناسبة، فالعمر لا يمنحنا إيصالاً يضمن بقاء أحد.

يأتي يوم نفتح فيه قناة الذاكرة، فلا نجد أمامنا إلا وجوهاً غائبة وأصواتاً بعيدة وبيوتاً تغيرت ملامحها.

يومها لن نتمنى مالاً أكثر، ولا بيتاً أكبر، ولا سفراً أبعد؛ سنطلب أمنية واحدة، مستحيلة وبسيطة وهى أن تعود تلك الساعة القديمة كما كانت.

ستظل قناة الذاكرة تحمل إلينا ما فقدناه، وتوجُعنا بما أحببناه، وتذكرنا بحقيقة لا مهرب منها.

إن بعض الأيام التي عشناها كانت أثمن أيام حياتنا، وإن الذين مروا بنا عابرين، كانوا هم الحياة نفسها.

وصدق البدر:

صوتك يناديني تذكر، الحلم الصغير

وجدار من طين وحصير

جيتي من النسيان ومن كل الزمان

اللي مضى واللي تغيّر

كنا افترقنا البارحة تذكر