كيف تبيع محتواك دون أن تبيع نفسك؟ ربما يكون هذا هو التحدي الأكبر في عالم السوشال ميديا اليوم، في ظل موجة متصاعدة من استغلال كل شيء من أجل الشهرة، وجذب المتابعين، وتحقيق الانتشار بأي ثمن.

في الأصل، يفترض أن تكون السوشال ميديا وسيلة لتقديم المحتوى وتسويقه، لا وسيلة لبيع الحياة الخاصة وتحويل الإنسان نفسه إلى مادة مستمرة للاستهلاك. لكن ما يحدث أحيانًا هو العكس؛ إذ يتحوّل بعض المؤثرين إلى تسويق تفاصيل حياتهم اليومية، وعلاقاتهم، وخصوصياتهم، ومواقفهم الشخصية، حتى يصبح الشخص هو المنتج، بدل أن يكون المحتوى هو المنتج.

وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: كيف يمكن للإنسان أن يستفيد من السوشال ميديا، وأن يبني حضوره وشهرته، من دون أن يدفع في المقابل ثمنًا من خصوصيته وحياته الشخصية؟ وكيف يستطيع أن يضع حدودًا واضحة بين ما يقدّمه للجمهور وما يحتفظ به لنفسه ولأسرته؟

المشكلة أن البحث المستمر عن الشهرة قد يدفع بعض الأشخاص إلى استغلال جوانب يفترض أن تبقى بعيدة عن هذا السوق المفتوح، ومن أكثر الأمثلة إثارة للقلق استغلال الأطفال وكبار السن، وتحويل مواقفهم وحياتهم الخاصة إلى محتوى بهدف المشاهدة والانتشار. وفي بعض الحالات تصبح الشهرة غاية في حد ذاتها، من دون قيمة حقيقية تبرر هذا القدر من التنازل عن الخصوصية والحدود الإنسانية.

وهذا يقودنا إلى سؤال أكبر يتعلق بطبيعة المحتوى الذي تصنعه منصات التواصل الاجتماعي اليوم. فقد تحدث كتاب «نظام التفاهة» عن عالم السرعة والتسطيح وتحوّل الاهتمام العام إلى سلعة، ويبدو أن بعض ملامح هذه الفكرة أصبحت أكثر حضورًا في البيئة الرقمية، حيث يمكن لأي شيء تقريبًا أن يتحوّل إلى مادة للعرض، طالما أنه يجذب المشاهدات.

لكن الخطر لا يكمن في السوشال ميديا نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. فحين تصبح الشهرة هدفًا منفصلًا عن القيمة، وحين تتحوّل الخصوصية إلى وسيلة لجذب الجمهور، وحين يصبح كل شيء قابلًا للبيع، فإن التجربة الرقمية بأكملها تدخل في حالة من الخلل.

التحدي الحقيقي إذن ليس أن نبتعد عن السوشال ميديا، وإنما أن نتعلم كيف نستخدمها بذكاء: أن نبيع المحتوى، لا أن نبيع أنفسنا؛ وأن نصنع حضورًا مؤثرًا، من دون أن نفقد في الطريق خصوصيتنا، وكرامتنا، وحدود حياتنا.