بداية هذا الأسبوع، تحدثت بعض وسائل الإعلام عن مطار الرياض، وتناقلت المنصات صوراً ومقاطع لدخان يتصاعد، وفي زمن أصبحت فيه الصورة تسبق الحقيقة، لم يكن غريباً أن يختلط الخبر بالتهيؤات، والمعلومة بالشائعات.
في يوم السبت 19 سبتمبر، الذي كثر حوله الحديث، واصلت الطائرات الهبوط والإقلاع من مطار الملك خالد الدولي، وانتهى اليوم وقد سجل المطار 745 رحلة خلال 24 ساعة، أي بمعدل حركة جوية كل 100 ثانية تقريباً.
المسألة هنا ليست دفاعاً عن المطار، ولا جدلاً مع وكالة أنباء أو قناة تلفزيونية، فالمطارات، مثل كل مرافق العالم، قد تتأخر فيها الرحلات، وقد تتأثر بالطقس أو الظروف الأمنية أو الفنية أو ازدحام المجال الجوي.
المسألة أكبر من ذلك.. إن ما حدث يعد صورة مصغرة لسيرة وطن عريق ما زال فتياً. اليوم الأربعاء 23 سبتمبر، ونحن نحتفل باليوم الوطني السعودي، تبدو السماء مكاناً مناسباً لقراءة حكاية هذا البلد العظيم.
منذ تأسست المملكة، وهي تعيش في منطقة لم تعرف الهدوء: حروب وأزمات وانقلابات واضطرابات اقتصادية.
تغيّرت خرائط كثيرة، وسقطت مشاريع وقامت أخرى، بينما المملكة محافظة على نهجها الذي كان ولا يزال أحد أهم أسباب قوتها؛ تعمل أكثر مما تتحدث، وتبني للمستقبل دون أن تنشغل بالضجيج، والطيران واحد من أوضح الشواهد على ذلك.
يوم السبت، كانت معظم وسائل الإعلام تتحدث عن توقف المطار وصور دخان يتصاعد في السماء، بينما المطار يعمل بسلاسة ويسجل أحد أكبر أرقام التشغيل في الشهر، وهكذا السعودية، تكثر حولها الروايات والضوضاء، بينما تنشغل هي بالتقدم والبناء.
قبل عقود، كانت الطائرة التي تصل إلى مدينة سعودية حدثاً يستحق أن يخرج الناس لمشاهدته، واليوم يعبر مطارات المملكة في عام واحد أكثر من 140 مليون مسافر، وسجلت حركة الطائرات مليون رحلة خلال عام 2025.
هذه ليست أرقام طيران فقط، إنها أرقام وطن ينمو.. وهنا ربما تكمن الحكاية الأجمل في يوم الوطن: (الإنسان السعودي).
يمكن شراء الطائرات وبناء المطارات واستيراد أحدث الأجهزة، لكن بناء الإنسان القادر على تشغيل هذه المنظومة وإدارتها وتطويرها يحتاج إلى سنوات طويلة من التعليم والتدريب والثقة.
أعرف هذه الحكاية من داخلها، منذ كانت قطاعات الطيران أصغر، والإمكانات مختلفة، والطموحات أكثر تواضعاً.
رأيت أجيالاً من السعوديين تدخل صالات المراقبة الجوية ومراكز العمليات ومقصورات القيادة والهندسة والصيانة وإدارة المطارات، ورأيت جيلاً جديداً يشارك اليوم في بناء صناعة طيران سعودية جديدة.
في أصعب اللحظات يتجسّد معنى ذلك؛ عندما اضطربت مجالات جوية في المنطقة في أزمات سابقة، لم تكن الأجواء السعودية مجرد مساحة على الخريطة، أصبحت ممراً آمناً لحركة دولية واسعة تديرها منظومة تضم مراكز مراقبة وأبراجاً ومئات المراقبين الجويين وآلاف الأجهزة الملاحية المنتشرة في أنحاء المملكة.
هذا هو الاستقرار عندما يتحوّل من كلمة إلى قدرة تشغيلية: أن تكون المطارات مفتوحة والطائرات تعبر، والمسافر يصل إلى بوابته، بينما المنطقة من حولك تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية.
وعلى الطيران قِس مجالات كثيرة، كالسياحة والطب والتعليم والصناعة وغيرها.
حين نتحدث عن رؤية السعودية 2030، فإن من أجمل ما فيها بالنسبة لي أنها نقلت الطيران من كونه وسيلة نقل إلى مشروع اقتصادي واستراتيجي متكامل: مطارات تتوسع، وناقلات وطنية جديدة وناقلات عريقة تكبر، ووجهات تُفتح، واستثمارات في الشحن والخدمات اللوجستية والملاحة والصيانة والتقنية، وهدف يصل إلى 300 مليون مسافر و250 وجهة عام 2030.
الشاب السعودي الذي يجلس في برج المراقبة، والفتاة السعودية التي تعمل مهندسة طائرات، والطيار الذي يحمل مئات الأرواح، والقيادات السعودية التي أصبحت تدير مؤسسات تنافس في صناعة عالمية لا تعترف إلا بالكفاءة، هؤلاء هم الوجه الحقيقي لهذه الصناعة.
لهذا فإن اليوم الوطني ليس مناسبة للنظر إلى الماضي وحده، إنه فرصة للنظر من نافذة الطائرة إلى الأسفل وإلى الأمام، إلى بلد استطاعت قيادته (وسط منطقة مثقلة بالحروب والحساسيات) أن تحافظ على استقراره، ثم تنتقل به من الاستقرار إلى التنمية، ومن التنمية إلى المنافسة.
قد تستطيع صورة دخان أن تنتشر في العالم خلال دقائق، وقد تستطيع شائعة أن تعبر القارات أسرع من الطائرة، وقد يصدقها الآلاف قبل أن تظهر الحقيقة، لكن هناك صورة أخرى لا تحتاج إلى تعليق: افتح أي تطبيق لتتبع الطائرات وانظر إلى سماء المملكة.
خطوط طويلة من الطائرات القادمة والمغادرة والعابرة، مطارات تغص بالمسافرين، ومدن تتصل بالعالم، وملايين البشر يتحركون عبر هذه الأرض كل عام.
هناك في الأعلى جزء من قصة الثالث والعشرين من سبتمبر، الضجيج قد يكون أسرع من الحقيقة لحظات، لكن الحقيقة أبقى.
مطارات مفتوحة للناس، وأجواء مفتوحة للعالم، ووطن يعرف إلى أين يسير.


