لم تعد الانفجارات المتكررة في مستودعات الجيش السوري مجرد حوادث أمنية متفرقة يمكن تفسير كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، بل بات تتابعها وتقاربها الزمني وتوزعها على أكثر من منطقة يفرض سؤالًا أكثر جدية يتعلق بما إذا كانت سوريا تواجه خللًا داخليًا متكررًا، أم نشاطًا تخريبيًا، أم حملة خارجية تستهدف بصورة منهجية جزءًا من قدراتها العسكرية وهي في طور إعادة البناء. والانفجار الذي وقع في مستودع للذخيرة في العيس بريف حلب في 21 سبتمبر كان الرابع من نوعه خلال الشهر نفسه، فيما أحصت رويترز ما لا يقل عن ستة عشر انفجارًا في منشآت تخزين عسكرية منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024؛ وقد عُزي بعضها إلى سوء التخزين والحرائق والذخائر المتقادمة، بينما ظلت أسباب عدد آخر غير محسومة. وبالطبع لا يمكن إسقاط احتمال الخطأ البشري أو سوء التخزين، خصوصًا في مؤسسة عسكرية ورثت مستودعات وذخائر تعود إلى مراحل مختلفة، كما لا يمكن تجاهل احتمال وجود مجموعات داخلية أو خلايا متطرفة تسعى إلى ضرب مؤسسات الدولة. لكن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يوضع تكرار هذه الحوادث في سياق السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا الجديدة، لأن إسرائيل لم تخفِ رغبتها في منع تشكّل واقع عسكري سوري يمكن أن يحد من حرية حركتها. ففي أغسطس الماضي نفذت إسرائيل ضربات داخل الأراضي السورية، من بينها ضربة استهدفت قاعدة جوية سورية في الشمال الغربي، كما استمرت عملياتها العسكرية في الجنوب السوري، وهو ما أدانته دمشق باعتباره انتهاكًا متكررًا للسيادة السورية. هذا السلوك الميداني يتقاطع مع خطاب أمني إسرائيلي أكثر صراحة تجاه عملية إعادة بناء الجيش السوري. ففي الأول من سبتمبر نقلت جيروزاليم بوست عن مسؤول دفاعي إسرائيلي كبير أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتابع بقلق خطوات الرئيس أحمد الشرع لإعادة بناء الدولة والجيش، مشيرة إلى تدريبات على مستوى الألوية وإلى خشية من أن يؤدي تطور القدرات السورية إلى تضييق هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية داخل سوريا. وبعد ذلك بأكثر من أسبوعين، نشر أمير بوحبوط في الصحيفة نفسها تقريرًا نقل فيه تقديرات أمنية إسرائيلية تزعم أن دمشق توجه جزءًا كبيرًا من مواردها إلى بناء جيش دائم وشراء منظومات تسلح جديدة. وبغض النظر عن دقة هذه التقديرات المالية، فإن أهميتها تكمن في أنها تكشف بوضوح أن إعادة بناء القوة العسكرية السورية أصبحت ملفًا يثير القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها. هنا يصبح من الصعب فصل سلسلة الانفجارات تمامًا عن البيئة الإقليمية المحيطة بها. فإذا كانت إسرائيل قد استخدمت القوة علنًا ضد منشآت ومواقع داخل سوريا، وإذا كانت دوائرها الأمنية تعلن قلقها من قيام جيش سوري أكثر تنظيمًا وقدرة، فإن فرضية وجود استهداف خارجي للمخازن والمنشآت العسكرية تصبح فرضية جدية تستحق أن تتقدّم على غيرها في التحقيق، لا سيما أن الحكومة الإسرائيلية الحالية قامت على تحالف وقد اتسمت سياساتها الإقليمية خلال السنوات الماضية بتوسيع الاعتماد على القوة. المسألة هنا ليست البحث عن اتهام جاهز، وإنما قراءة المصالح والسلوك معًا: سوريا التي تستعيد مؤسساتها وتعيد بناء جيشها وتعمل على توحيد أراضيها ستكون بطبيعتها أكثر قدرة على فرض سيادتها، وأقل قابلية لبقاء المجال السوري مفتوحًا أمام العمليات الخارجية. ومن هذه الزاوية يمكن فهم لماذا يُنظر في إسرائيل بقلق إلى مشروع بناء جيش سوري جديد، ولماذا يصبح إضعاف البنية العسكرية السورية أو تعطيل إعادة تأهيلها مصلحة يمكن فهمها ضمن الحسابات الإستراتيجية الإسرائيلية. ولهذا فإن الرد السوري المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على إطفاء الحرائق وإجلاء السكان بعد كل انفجار، بل يجب أن يبدأ بتحقيق أمني وتقني شامل يربط الحوادث ببعضها، ويراجع أنظمة الحماية والمراقبة، ويدقق في احتمالات الاختراق الداخلي ووسائل الاستهداف الخارجي، وصولًا إلى تحديد نمط واضح لما يجري. حماية منشآت الدولة السورية العسكرية وكشف الجهة التي تقف خلف هذه الحوادث أصبحتا جزءًا أساسيًا من معركة استعادة الدولة نفسها.