في الأزمات الكبرى نتساءل: أين الحقيقة وسط كل هذا الإعلام؟ فإذا كانت الحقيقة تضيع بسبب غياب الإعلام سابقاً، والمسافات واحتكار أطراف النزاع للمعلومات، فإن الحقيقة اليوم تضيع بسبب فائض الإعلام، ما يجعل العالم ينتقل من أزمة ندرة المعلومات إلى أزمة تضخم المعلومات، ومن الخوف من التعتيم إلى الخوف من الإغراق.

فكلما اتسعت التغطية الإعلامية لأزمة ما، تبدّدت معرفة الجمهور بحقيقتها، فتتراجع الحقيقة أمام كثافة الضجيج، ويزداد الغموض كلما كثر الحديث عنها وزاد عدد المتحدثين عنها.

لقد كشفت أزمة مضيق هرمز وما تبعها وما أحاط بها من تداعيات عسكرية واقتصادية وسياسية في المنطقة والعالم أن الفجوة بين «الإعلام» و«الحقيقة» أصبحت واحدة من أخطر الفجوات المعرفية في العصر الحديث. فالأزمة حاضرة إعلامياً على مدار الساعة بجزئياتها، لكن الصورة الكاملة لا تزال غائبة. فهل تساوى حضور الإعلام وغيابه بشأن الحقيقة؟

صحيح أن الإعلام لا يصنع الحقيقة، لأن الحقيقة ليست منتجاً إعلامياً أو سلعة سياسية. إنما يصنع الإعلام «الصورة العامة للحقيقة» بكشف الوقائع، والتحقق منها، والربط بينها، ووضعها في سياقها، والفصل بين ما حدث فعلاً وما تدّعي الأطراف أنه حدث. فعندما ينتقل الإعلام من الكشف عن الحقيقة إلى صناعتها يصبح طرفاً في الصراع، لا شاهداً عليه.

تمثل أزمة هرمز حرباً على تعريف الواقع نفسه، مثلما تمثل مواجهة عسكرية واضطراباً في الملاحة والطاقة والتجارة العالمية: هل المضيق مغلق أم مفتوح؟ هل حركة السفن متوقفة أم متراجعة؟ هل تدفقات الطاقة تعطلت أم تحوّلت إلى مسارات وآليات أكثر كلفة؟ هل ما يجري انتصار عسكري، أم ضغط تفاوضي وحرب نفسية، أم استنزاف اقتصادي؟ ومن بدأ التصعيد ومن استأنف التصعيد؟ ما هي أطراف أزمة هرمز المباشرة وغير المباشرة؟ ومن يملك القدرة على إنهائها؟

تكمن المشكلة في أن كل طرف يقدّم جزءاً من الواقع باعتباره الحقيقة كاملة. حتى أصبحت الحقيقة تقع بين الروايتين. لقد أثبتت الأزمة أن الحرب الحديثة لا تستهدف السفن والموانئ والمنشآت فقط، بل تستهدف أيضاً قدرة الإنسان على معرفة ما يجري، فكثيراً ما تتعدد المنابر ولا تتعدد المصادر؛ لأن تعدد وسائل الإعلام ليس دليلاً صحياً على تعدد مصادر المعرفة. فأين التعددية عندما تنشر مئات القنوات والصحف والمنصات خبراً واحداً، نقلته جميعها عن مصدر واحد؟

صحيح أن الإعلام حين يغيب لا يعرف الناس ماذا حدث وما يحدث. لكن عندما يحضر إعلام مضلل، فالناس يتوهمون أنهم يعرفون، بينما هم يعرفون صورة مصنوعة أو ناقصة أو مشوهة. ومثلما أن الغياب ينتج جهلاً معلناً، فالتضليل ينتج جهلاً واثقاً من نفسه. وهذا أكثر خطورة؛ لأن الإعلام الغائب يترك فراغاً، بينما الإعلام المضلّل يملأ الفراغ بمعلومات زائفة يصعب اقتلاعها لاحقاً. ولذلك قد يكون الحضور غير المهني أكثر ضرراً من الغياب. وطبيعة حضور الإعلام يجب أن تكون محل تساؤل: هل يأتي ليكشف، أم ليغطي؟ يفسر أم يبرر؟ يبحث عن الحقيقة أم ليمنح رواية معينة مظهر الحقيقة؟

لذلك فإن ما يوصف في «إعلام» بأنه «دفاع عن النفس» يوصف في «إعلام آخر» بأنه «عدوان»، وما يُسمى «ردعاً» في «إعلام» يسمى في إعلام آخر «تهديداً للملاحة الدولية».

وعندما يتعرّض الإنسان يومياً لكميات هائلة من الأخبار العاجلة والخرائط والتسريبات والتوقعات المتناقضة، فإنه يفقد القدرة على ترتيب الأولويات والتمييز بين المهم والهامشي والحقيقي والمحتمل والحدث والتعليق عليه. من هنا.. الحقيقة لا تحجب دائماً بحجب المعلومات، فقد تُحجب الحقيقة بإغراق المتابعين بكم هائل من المعلومات.

كما أن التعمية الإعلامية لا تقوم فقط على إخفاء الحقيقة، بل تقوم على وضعها وسط آلاف التفاصيل المتضاربة حتى يعجز الناس عن الوصول إليها أو تمييزها. وبهذا المعنى.

لقد عانينا في منطقتنا العربية وما زلنا نعاني من تخادم وتناغم السرديتين الإيرانية والإسرائيلية على حساب سردية تتبنى حقوق الشعوب العربية والمصالح العربية والدول العربية، وعلى مدى عقود من الزمن. لقد كشفت حرب اليمن الأخيرة بين الشرعية والفصائل المدعومة إيرانياً الحاجة العربية الماسة لبناء ومراجعة سردية عربية تعري وترفض المشروعين الإيراني والإسرائيلي باعتبارهما يستهدفان الأمة العربية والجغرافيا العربية والمصالح العربية والتاريخ العربي.

لقد حان الوقت للإعلام العربي لأن يتبنى سردية عربية مستقلة، تستند إلى حقوق ومصلحة الشعب العربي وسيادة الدول العربية، دون مجاملة أو مهادنة للسرديتين الصهيونية والفارسية؛ لأنهما لا تختلفان إلا حول حصة كل منهما من الجغرافيا العربية والموارد العربية والتاريخ العربي.

أخيراً، أدعو جامعة الدول العربية أن تتحمل مسؤوليتها وهي تبدأ عهداً جديداً بأمين جديد، وفي هذه المرحلة الخطرة التي يمر بها الوطن العربي، بأن تقوم ببناء وإقرار سردية عربية ترفض المشروعين الصهيوني والإيراني جملة وتفصيلاً وتتصدى لهما، على اعتبار أنهما يستهدفان الإنسان العربي بجغرافيته وتاريخه وموارده من خلال المليشيات الانفصالية وداعميها في أكثر من بلد عربي، ومراجعة عضوية بعض الأعضاء الذين يتأكد ضلوعهم وتورطهم وانخراطهم في أي من المشروعين الصهيوني والفارسي.