فور صدور قرار مجلس الوزراء الموقر بأن يكون اليوم (الثاني عشر) من شهر مايو من كل عام يوماً للتبرع بالأعضاء، تفاعل الدكتور ماجد بن إبراهيم الفياض، الرئيس التنفيذي لمجموعة مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، مع هذا القرار، فسطّر على حسابه في منصة (X) قائلاً: «موافقة مجلس الوزراء على تخصيص يوم 12 مايو من كل عام يوماً للتبرع بالأعضاء، خطوة مهمة تعزّز ما حقّقته المملكة من تقدّم في زراعة الأعضاء، وتسهم في ترسيخ ثقافة التبرع والتكافل، بما يمنح مزيداً من المرضى فرصة جديدة للحياة».

يأتي هذا المنشور إدراكاً تاماً منه بأهمية هذا النداء، واستشعاراً لبارق الإشارة التي تومي باتجاه «التخصصي»، والدور المنوط به في زراعة الأعضاء، والتوسع فيها.

ولا تحسبنّ أنّ موافقة مجلس الوزراء على تخصيص هذا اليوم للتبرع بالأعضاء، من مستنسلات الاعتياد، أو الإشارات العابرات في روزنامة الحياة، الماضية ركضاً متسارعاً ولاهثاً، لا والله، إنّها لحظة تدير فيها المملكة وجه العالم كلّه، بلا استثناء، إلى قضية إنسانية بالغة النّبل، قضية تمسّ الجميع، إذ لا يخلو ركن من أركان البسيطة عن مسيس الحاجة إليها، إنقاذاً لأنفس أضناها الألم، وطواها الأسى والقنوط، ولا خلاص لها من حالة التأرجح بين الموت والحياة إلا بإغاثة متبرعٍ، ونخوة مانح.

إنه صنيع «الرؤية» التي تبصر بها المملكة، وتتطلع إلى ما يهمّ العالم أجمع، لتضيف بهذا التخصيص يوماً جديداً إلى التقويم، يمنح الإنسانية موعداً سنوياً تتجدّد معه الدّعوة إلى العطاء، وتتّسع معه مساحة الوعي، ويعلو فيه صوت الأمل. وما على ذوي الحِجى والنّفوس الكبار إلّا أن يثبّتوا الموعد في مضابط تقاويمهم السنوية، ويبصموا عليها، تقديراً لنبل المقصد، واعترافاً بفضل المملكة في التنويه إليه.

وما كان للمملكة أن تبتدر بالنّداء لأمر لم تستوفِ حقّه ومستحقه، فقدمُها في مجال زراعة الأعضاء، والتبرّع بها رسخت، والشّواهد على علو كعبها في ذلك كثيرة، إذ صارت مضرب مثل، ومقصداً لمن ينشد العلاج، وهي التي قطعت بالفعل شوطاً مهماً في هذا المجال.

أُنشئ المركز السعودي لزراعة الأعضاء، وتطوّرت مهامه عبر عقود، وأقرّت المملكة نظام التبرّع بالأعضاء عام 2021، كما سجّل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمين، في برنامج التبرع بالأعضاء، مبادرة حملت رسالة إنسانية رفيعة وشجّعت المجتمع على الإقبال على هذا العمل النبيل.

تكشف التجربة السعودية أنّ المنظومة لا تقف عند حدود تشجيع المتبرع، وإنما تهتم أيضاً بحقوقه وتقدير عطائه.

يمثّل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث رأس الرّمح في مجال زراعة الأعضاء، وقد ذاع صيته عالمياً في هذا المجال، كفاء تسخيره لأحدث التقنيات، ودخول الروبوتات والذكاء الاصطناعي في العمليات الجراحية، وزراعة الأعضاء. واللافت، أنّ التبرع بالأعضاء لم يعد فكرة غامضة أو إجراءً بعيداً عن متناول الناس، فقد أسهمت المنظومة الصحيّة السّعودية في تسهيل إبداء الرغبة بالتبرع عبر القنوات الرقمية، ومنها تطبيق «توكلنا»، مع وجود أطر تنظيمية تحفظ حقوق المتبرعين وتنظم عمليات التبرع والزراعة.

إنّ التبرع بالأعضاء من أسمى صور العطاء؛ لأنّ الإنسان يمنح جزءاً من جسده لإنسان آخر كي يستعيد قدرته على الحياة، ويخرج من أسر المرض، بعين أكثر أملاً.

قد يذهب المال ويُستهلك، وقد تنتهي الهدايا بانتهاء مناسبتها، أمّا العضو الذي يُمنح لمريض محتاج فقد يتحوّل إلى عمر جديد، وبيت يستعيد فرحته، وأسرة تتخلّص من ألم الانتظار. من هنا تأتي أهمية تخصيص يوم وطني سنوي للتبرع بالأعضاء، فالمجتمعات لا تبني ثقافاتها الكبرى بالقرارات وحدها، وإنّما بالتكرار الواعي للفكرة حتى تتحوّل من معلومة عابرة إلى قناعة راسخة، ومن قناعة إلى سلوك، ومن سلوك فردي إلى ثقافة اجتماعية.

سبق أن أعلنت هيئة كبار العلماء جواز نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر، حيّاً كان أو ميتاً، بما يؤكّد أنّ هذا الباب يجد له سنداً شرعياً واضحاً.

إنّ خطوة تخصيص الثاني عشر من شهر مايو من كلّ عام يوماً للتبرع بالأعضاء ستنقل قضية التبرع من نطاق المبادرة الفردية المتفرّقة إلى ثقافة وطنية معلنة.

فوجود يوم محدّد يعني أنّ القضية ستعود إلى الواجهة كلّ عام، وأنّ المؤسّسات قادرة على بناء برامج توعوية طويلة المدى حولها، والمعوّل أن يقوم الإعلام بما يستطيع لتحويل المناسبة إلى مساحة لسرد قصص الأمل، كما أنّ المدارس والجامعات والجمعيات تستطيع المشاركة في صناعة وعي جديد يضع قيمة إنقاذ الإنسان في مقدمة القيم الاجتماعية.

ولي عودة إلى هذا الموضوع من منظور آخر إن أمدّ الله في الآجال.