هذه الحالة الرومانسية العربية تجاه الماضي أصبحت، في جانب منها، سبباً للتخلف السياسي والجمود الثقافي. ومحاولات إعادة عقارب الساعة إلى الوراء تصطدم بالمنطق والواقع؛ فالتاريخ لا يعود، والأمم لا تستطيع أن تبني دولاً حديثة بعقل يعيش خارج زمنه. لذلك تلفتني القدرة التي يتمتع بها بعض القادة حين يقررون الذهاب إلى المستقبل، رغم الأسوار الفكرية التي شُيّدت حول الماضي، وتحاول منع التجدّد والتغيير.

كصحافي عشت وتنقلت بين مدن عديدة، رأيت كيف يمكن للنظرة إلى التاريخ أن تصنع المستقبل. هناك فرق كبير بين من يرى التاريخ مكاناً للدراسة والتعلم واستخلاص الدروس ثم المضي إلى الأمام، وبين من يراه مكاناً جميلاً للبقاء والتوقف. الأول يحوّل الماضي إلى خبرة، والثاني يحوّله إلى قيد.

لقد تحوّل الهوس بالماضي إلى حكاية عربية تكاد تكون خالصة، تعيق التقدّم والالتحام بالعصر ومتطلباته. وقد يقول بعض المفكرين والمحللين إنه هوس المغلوبين بتاريخ الغالب، حين كانوا يحكمون ويصدرون المعرفة. وهذا تفسير يمكن فهمه، لكنه لا يغيّر الحقيقة: الأمم الحية هي التي تمضي إلى المستقبل بدل البكاء على ماضٍ لن يعود.

المشكلة ليست في الماضي نفسه، فالماضي جزء من هوية الأمم وذاكرتها، وإنما في تحويله إلى مشروع حياة دائم.

أمام العالم العربي تحديات جديدة، وشباب يحتاجون إلى أن يجدوا لهم مكاناً في عالم سريع التحوّل، لا أن يرثوا أسئلة الأجيال السابقة وإحباطاتها.

لطالما رأيت أن مشكلة البلدان العربية هي، قبل أي شيء آخر، مشكلة وعي وثقافة. فقد طغت، لفترة طويلة، نغمة يسارية على جزء كبير من الأدبيات العربية، وكانت النتيجة إنتاج أجيال لا تستوعب العالم جيداً ولا تجيد التعامل مع تحوّلاته. ثم تسرّب هذا الوعي المنقوص إلى مؤسسات عربية سياسية وثقافية واقتصادية، فكان الجمود مخيفاً، وقضى على طموحات آلاف الشباب.

خطورة هذا النوع من الأفكار أنها تسلب المستقبل من عقول الشباب، وتجعلهم يدورون في حلقة مفرغة بلا أمل، ثم يتحوّل الإحباط إلى مهدّد للاستقرار، ليس للدول وحدها، بل للأفراد أيضاً.

ولنراجع الأدبيات العربية وموقفها من النفط. كيف صُوّرت دول النفط وكأنها صنو التخلف، بينما استطاعت هذه الدول، بعقلانية وواقعية، أن تؤسس نهضة استقطبت المواهب العربية ومنحتها فرصاً واسعة. بل إن كثيراً من القضايا العربية لم تكن لتبقى حاضرة لولا الدور الذي أدّاه النفط وأصحابه في السياسة والاقتصاد.

المطلوب ليس القطيعة مع التاريخ، ولا إدانة الذاكرة، وإنما وضع كل شيء في مكانه الصحيح. نحن بحاجة إلى قراءة الماضي في حاضرنا العربي سريع التغير، نأخذ منه الدروس، ونترك ما تجاوزه الزمن. فالنهضة لا تبدأ حين نستعيد ما كان، بل حين نمتلك الشجاعة لنسأل: ماذا نريد أن نكون؟ وما الذي يستطيع الإنسان العربي أن يضيفه إلى العالم؟ المستقبل لا يمنح فرصه لمن يكتفي بترديد أمجاد سابقة. ويصبح الانغلاق على الماضي عزلة. لذلك فإن المعركة ليست مع التاريخ، بل مع العقل الذي يرفض التعلم منه، ويحوّل ذكراه إلى بديل عن العمل وطموح الغد وصناعة الفرص.

هذا خلل فكري عميق لا بد من مواجهته. فاحترام التاريخ لا يعني السكن فيه، والاعتزاز بالماضي لا ينبغي أن يتحوّل إلى رفض للمستقبل. الأمم التي تتعلم من ماضيها تستطيع أن تتقدّم، أما التي تحاول استعادته كما كان، فإنها تخاطر بأن تفقد حاضرها ومستقبل أجيالها.