من بين الدراسات العلمية التي قرأتها مؤخرًا، دراسة قامت بها وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدّمة الأمريكية وموّلتها بمليارات الدولارات بالتعاون مع جامعة أركانسس الأمريكية. تتمحور الدراسة حول ملاحظة طائر صغير يعرف بـ«طائر التاج الأبيض». يهاجر هذا الطائر سنويًا لمسافات طويلة، وخلال موسم الهجرة يستطيع تقليص نومه بدرجة كبيرة مع المحافظة على قدر كبير من تركيزه وأدائه. هذه الخاصية جذبت اهتمام وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية لفهم الآليات التي تسمح لهذا الطائر بتحمّل فقدان النوم، وما إذا كان من الممكن الاستفادة منها في تعزيز قدرة الإنسان على البقاء يقظًا وأداء مهامه لفترات أطول.

من منظور عسكري ربما يكون الأمر مبررًا، كون الحروب تحتاج إلى جنود يقظين لأطول فترة ممكنة. الفكرة المقلقة هنا هو دخول العديد من الشركات العالمية في دعم هذا البحث بمئات الملايين وأصبح يُنظر له من منظور اقتصادي بحت. الهدف يتمثل في إطالة الزمن المتاح للنشاط البشري، وهنا تصبح المسألة اقتصادية.

منذ الثورة الصناعية، قامت قصة النمو الاقتصادي إلى حد كبير على محاولة الحصول على إنتاج أكبر قدر من الموارد المتاحة. على ضوء ذلك، أصبحت الآلة أسرع، والمصنع أكبر، والنقل أكثر كفاءة، وسلاسل الإمداد أكثر ترابطًا. ثم جاءت الكهرباء لتفصل الإنتاج عن ضوء النهار، وأصبح المصنع قادرًا على العمل ليلًا ونهارًا. فيما بعد، أصبحت الأسواق تنتقل من قارة إلى أخرى دون توقف، ثم جاءت التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية ومراكز البيانات التي لا تغلق أبوابها، حتى وصلنا إلى اقتصاد يستطيع العمل 24 ساعة في اليوم وسبعة أيام في الأسبوع (24/7).

اقتصاديًا، ألغت الرأسمالية جزءًا كبيرًا من معنى الليل. في المقابل، ظل هناك قيد يؤرق الرأسمالية لا يمكن للمصنع أو السوق التخلص منه بسهولة وهو بيولوجية الإنسان. الآلة تستطيع العمل طوال اليوم إذا توافرت لها الطاقة والصيانة. الخوارزمية لا تحتاج إلى النوم، والخوادم الإلكترونية لا تشعر بالإرهاق. أما الإنسان فيحتاج إلى التوقف عدة ساعات كل يوم، ليس اختيارًا، وإنما بحكم تكوينه البيولوجي.

من منظور الرأسمالية الحديثة، يشكّل النوم قيدًا على عرض العمل. إذا نام الإنسان ثماني ساعات يوميًا، فإنه يقضي ثلث يومه تقريبًا خارج النشاط الاقتصادي المباشر. وأي تقنية تستطيع تقليص ساعات النوم مع المحافظة على القدرات الجسدية والمعرفية تعني، نظريًا، زيادة الساعات المتاحة للعمل والاستهلاك والإنتاج. هنا تظهر إحدى أكثر صور الرأسمالية تطرّفًا. بعد أن أمضت قرنين في تعديل الآلة لزيادة الإنتاجية، تحاول أن تنتقل إلى داخل جسد الإنسان نفسه لزيادة الإنتاجية.

لم يعد الأمر مقتصرًا على تدريب العامل أو تعليمه أو تزويده بأدوات أفضل، وهي الصورة التقليدية للاستثمار في رأس المال البشري، بل يمتد نظريًا إلى التدخل في حدوده البيولوجية المتمثل في النوم، واليقظة، والتركيز، والقدرة على التحمّل. هذا ما يجعل هذه الأبحاث مقلقة من زاوية الاقتصاد السياسي، وليس من زاوية العلم وحده.

الرأسمالية بطبيعتها تبحث عن الموارد غير المستغلة وتحاول إدخالها في دائرة الإنتاج. دخلت الأرض، والوقت، والمعرفة، والبيانات، والانتباه البشري إلى هذه الدائرة تدريجيًا. الخطوة التالية، في صورتها الأكثر تطرفًا، هي أن تصبح بيولوجيا الإنسان نفسها مجالًا لرفع الكفاءة الاقتصادية. الرأسمالية نجحت في جعل رأس المال يعمل بلا توقف، ثم جعلت الأسواق تعمل بلا توقف، ثم بنت اقتصادًا رقميًا يعمل بلا توقف. المقلق أن السعي المستمر نحو مزيد من الإنتاجية قد يمتد إلى تغيير الإنسان نفسه كي يتلاءم مع اقتصاد لا يريد أن ينام.