يجب أن أعترف أولاً بتقصيري تجاه المعلّق الرياضي خالد المديفر، فقد استمعت إلى تعليقه للمرة الأولى خلال مباراة القادسية ونيوم، ولم أكن قبلها أتابع أداءه بالقدر الذي يسمح لي بتكوين رأي واضح عنه، لكنني، كمشاهد، وجدت نفسي مشدوداً إلى صوته وطريقة تعليقه، وشعرت بنشوة حقيقية وأنا أستمع إلى معلّق سعودي يمتلك هذه الكفاءة وهذا الحضور المختلف عن كثير من المعلّقين.


- فهو لا يحتاج إلى الصراخ حتى يلفت انتباهك، ولا إلى رفع صوته حتى تشعر بحماس المباراة. صوته هادئ، وأسلوبه متزن، وتعليقه لا يؤذي أذن المشاهد، بل يجعله أكثر تركيزاً فيما يحدث داخل الملعب، وهنا تكمن المشكلة التي دفعتني إلى كتابة هذا المقال، فبعض المعلّقين اختصروا التعليق الرياضي في الصراخ والتكرار والخروج عن النص، حتى أصبح المشاهد أحياناً أمام «هرج ومرج» أكثر منه تعليقاً على مباراة كرة قدم وكأنه في «حراج سيارات».


- وقد يصل الأمر إلى أن تضطر إلى الضغط على زر خفض صوت التلفاز بحثاً عن شيء من الراحة، خصوصاً عندما تكون المباراة في الأصل مشحونة بالأعصاب بسبب قرار تحكيمي، أو فرصة ضائعة، أو أداء سيئ للاعب، ليأتي المعلّق ويكمل عليك الناقص!


- أنا هنا لا أضع جميع المعلّقين في سلّة واحدة؛ فهناك أسماء متميّزة ومحترمة تمتلك أدوات التعليق الرياضي الحقيقي. لكنني أتحدث عن ظاهرة أصبحت واضحة، وهي الاعتقاد بأن رفع الصوت والمبالغة في الانفعال وترديد العبارات الحماسية هو الطريق الأقصر إلى كسب إعجاب الجماهير، وكأن هناك من يعتقد أن «الجمهور يحب الصياح»!


- بينما المشاهد، في رأيي، يبحث عن شيء أهم من ذلك بكثير.. يريد أن يعرف ماذا يحدث داخل الملعب، ولماذا تحرك اللاعب بهذه الطريقة، وكيف بُنيت الهجمة، وما الدور الذي قام به كل لاعب، وماذا أراد المدرب من هذا التغيير أو ذاك.. يريد معلّقاً يضيف إلى المباراة، لا معلّقاً ينافسها على مستوى الصوت!


- وهذا تحديداً ما لفت انتباهي في المديفر، فهو لا يكتفي بوصف الكرة وهي تنتقل من لاعب إلى آخر، وإنما يحاول أن يقرأ تحركات اللاعبين وأدوارهم، ويتوقف عند التفاصيل التي قد لا يلاحظها المشاهد العادي، ويمنحك أحياناً تفسيراً لما يحدث بدل الاكتفاء بالصراخ عند حدوثه.


- التعليق الرياضي في رأيي ليس مسابقة في قوة الصوت، ولا مساحة لاستعراض المعلومات التاريخية التي سبق للمشاهد أن سمعها عشرات المرات، ولا مناسبة للحديث عن كل شيء باستثناء المباراة! التعليق الحقيقي هو أن تجعل المشاهد يرى المباراة بعين أخرى. أن تشرح له جهد المدرب، وتحركات اللاعب، وأسباب نجاح الهجمة أو فشلها، ثم تأتي لحظة الحسم، فتترك للهدف أن يتحدث عن نفسه.. «كش ملك»!


- ولهذا تعمّدت ألا أكتب عنه بعد مباراة القادسية ونيوم مباشرة، حتى لا يكون انطباعي مبنياً على مباراة واحدة، كنت أريد أن أستمع إليه في أكثر من مناسبة، وأن أرى كيف سيكون حضوره في المباريات الجماهيرية والمواجهات الكبيرة.


- وهنا توقفت أمام سؤال أعتقد أنه يستحق أن يُطرح وهو «لماذا لا نرى المعلّقين الذين يمتلكون هذه النوعية من الأداء في المباريات الجماهيرية بالقدر نفسه»؟ هل أصبح اختيار المعلّق مرتبطاً بحجم الجماهير وطبيعة المباراة أكثر من ارتباطه بجودة التعليق نفسه؟ وهل المطلوب من المعلّق في مباريات الأندية الجماهيرية أن يرفع صوته ويجاري المدرجات، أم أن المطلوب منه أن يحافظ على شخصيته المهنية ويقدم للمشاهد قيمة حقيقية؟


- هذه الأسئلة ليست انتقاصاً من أحد، وإنما دعوة لإعادة النظر في مفهوم التعليق الرياضي نفسه.. وأتمنى من القائمين على قناة ثمانية أن يجعلوا من تجربة النقل الرياضي فرصة للارتقاء بذائقة المشاهد، ليس فقط من خلال جودة الصورة والنقل، وإنما أيضاً من خلال اختيار المعلّق الذي يستطيع أن يقدّم للمشاهد ما هو أكثر من مجرد الصراخ والحماس.


- إن المشاهد الرياضي اليوم أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على التمييز بين المعلّق الذي يعلّق على المباراة، والمعلّق الذي يتحدث أثناء المباراة. وبالنسبة لي، وبعد أن استمعت إلى خالد، أجد أن الفارق بين الاثنين كبير جداً.


- أما موضوع الإخراج التلفزيوني للمباريات، وما يحدث فيه من لقطات وقرارات تجعل المشاهد أحياناً يتساءل: هل المخرج يتابع المباراة نفسها التي نشاهدها؟ فذلك حديث آخر يستحق مقالاً مستقلاً.