مع بداية شهر سبتمبر تزخر أجندة مدينة الرياض بالمؤتمرات والمنتديات والمعارض، ويستمر هذا الزخم عادةً إلى نهاية فصل الربيع القادم، علماً بأنه حتى خلال فصل الصيف وحرارته المرتفعة لا تخلو الرياض من بعض الفعاليات. خلال هذا الشهر تستضيف الرياض أكثر من 24 فعالية كبرى مختلفة العناوين والمجالات والاهتمامات، إيقاع سريع تصعب ملاحقته إذا كنت من أصحاب الاهتمامات المتعددة، فهناك كل ما يغري بمعرفة شيء عنه، من العلوم والتقنية، إلى الآداب والفنون، والسياسة والاقتصاد، والصحة والبيئة، والاستثمار والمال، وغيرها.

هذا الشهر، يمثل عادةً تدشين الحراك الهائل لهذه المدينة التي أصبحت تزاحم كبريات عواصم العالم في استضافة أهم الفعاليات، حراك مستمر لا يتوقف، ولا يتأثر بالظروف المضطربة التي تعيشها المنطقة والعالم. فقد كان البعض يتوقع انخفاضاً نسبياً هذا العام بسبب اندلاع أزمة الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على أمن المنطقة، لكن ذلك لم يحدث، كل العالم باتجاه الرياض دون توجس، وربما كان مؤتمر Leap - الذي انتهى مؤخراً بحضور عالمي اكتظ به موقع انعقاد المؤتمر - دليلاً على أن كل شيء يحدث هنا بشكل طبيعي، وأن العالم يثق في أن المملكة مسيجة بأمن كامل وشامل ومستتب، وأن الفرص الحقيقية والمضمونة موجودة هنا، رغم كل ما يحدث من عدم يقين في أماكن كثيرة أخرى تجعل رجال الأعمال والمستثمرين يعيدون حساباتهم كثيراً في بعض الدول.

الرياض أصبحت محترفة في إدارة الفعاليات، لكننا نريد انتقال تجربتها إلى بقية المدن الرئيسية، لأن كل منطقة لها خصائص جذب مختلفة، وطبيعة تناسب فعاليات معينة. لا نريد أن تصبح الرياض مرهقة بكل الفعاليات خصوصاً عندما نعرف أنه سيعقد فيها شهرياً عدد أكبر من فعاليات هذا الشهر. نريد انتقال مهارتها في إدارة الفعاليات إلى بقية المناطق، لتصبح كل منطقة قادرة على استضافة فعالية تتسق مع خصائصها، ولا بأس أن تختص الرياض بالمؤتمرات الدولية الكبرى التي تحتاج إمكانات لوجستية ضخمة لا تتوفر في غيرها.

هذه الدعوة، نهمس بها مرة بعد أخرى كي يكون الحراك وطنياً شاملاً، فأنا لا أتذكر آخر مرة عُقد مؤتمر تجاري أو استثماري في مدينة جدة، مدينة التجارة العريقة التي كان يُعقد فيها منتدى اقتصادي ضخم كل عام. ولماذا لا يعقد منتدى لاقتصاديات الزراعة في منطقة زراعية كجازان مثلاً، ومثله للعلوم والتقنية تحتضنه جامعة كاوست على شاطئ مدينة ثول، وآخر للطاقة في المنطقة الشرقية التي تتعملق فيها أكبر شركة عالمية للطاقة، وهكذا بحسب الخصائص والميزات النوعية لكل منطقة.

نحن نريده زخماً شاملاً في كل المناطق، والإمكانات أصبحت متوفرة في كل منطقة، فلنبدأ التخطيط لذلك، وننقل بعضاً من نبض الرياض الحيوي الجميل إلى شقيقاتها من المدن الأخرى، وتبقى هي القلب والمركز الذي يدير أوركسترا الوطن.