تبرهن الجغرافيا الحضارية عبر التاريخ أن استدامة الأمم لا تُقاس فقط بوفرة مواردها، بل بمدى قدرتها على تحويل تلك المقوّمات إلى اقتصاد معرفي واعد. ومنطقة تبوك، بتباينها الطبوغرافي الفريد واتساع مساحاتها، تمثل اليوم مختبراً حياً لمعادلة التنمية الشاملة، حيث تلتقي العلوم الزراعية الدقيقة بعبقرية الموقع اللوجستي، لتتحوّل الأرض من مجرد مستودع للغذاء إلى منصة متقدّمة للابتكار البيئي والاستثمار المستدام. إنها ليست مجرد مساحة جغرافية في شمال غرب وطننا الغالي، بل تمثل تبوك بوابة غذائنا الشمالية، وبيئة متكاملة تعيد تعريف مفهوم التنمية الريفية الحديثة، وتربط علوم الإنتاج بسلاسل الإمداد الذكية، لتصنع نقطة ارتكاز حيوية تخدم التحوّل الاقتصادي الوطني وتضع المنطقة في قلب معادلات المستقبل.
تبوك اليوم لا تقف على عتبة التحوّل فحسب، بل تصنع ملامح فصل تنموي استثنائي يعيد كتابة حكاية الأرض والإنسان، فبين جبالها الشاهقة وسواحلها الفيروزية الممتدة، وبساطها الأخضر الذي يفيض خيراً، تتجلى تبوك كنموذج فريد يجمع بين معادلة الأمن الغذائي، وأفق السياحة العالمية، والاستثمار الجريء، والتنمية الريفية المستدامة.
وفي قلب هذا الحراك التنموي النابض، يقف الأمير فهد بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة تبوك، الذي غرس حبه في تراب المنطقة ووجدان أهلها عبر عقود من العطاء، ممتداً من إرث والده الراحل الأمير سلطان بن عبدالعزيز، رحمه الله، في البذل والقرب من المواطنين وخدمتهم بتفانٍ لا ينقطع. وقد تجسّدت تلك الرابطة الإنسانية الصادقة في مشهد عودة سموه من رحلته العلاجية، حيث استقبلته تبوك بقلوب تنبض حباً ووفاء، في لحظة امتزجت فيها دموع القائد بمشاعر الأهالي، مؤكدة أن ما بين الأمير وتبوك يتجاوز حدود الإدارة إلى فضاء المودة العميقة. ولأهل تبوك الأوفياء يقال: دمتم عنواناً للأصالة والوفاء الذي يمثل جوهر الإنسان السعودي.
وتبوك، التي توارثت خضرتها عبر السنين، تستند اليوم إلى قاعدة زراعية جبارة تحيل الصحراء إلى واحات منتجة. فهي تحتضن قرابة 14.500 مزرعة، وتزهر فيها أكثر من 1.58 مليون شجرة عنب، ونحو 834 ألف نخلة باسقة، و1.3 مليون شجرة زيتون، إلى جانب 1.48 مليون شجرة لوزيات، فضلاً عن 9.850 بيتاً محمياً، و15 ألف هكتار من سنابل القمح الذهبية، ومساحات شاسعة من الأعلاف والخضروات المكشوفة.
ولا تنتهي الميزة الزراعية عند الغذاء، إذ يقف جبل اللوز بارتفاعه الشاهق وطقسه الفريد كأيقونة تجمع بين الخصوبة الزراعية وسحر السياحة البيئية، وتتكامل معه مزارع الورد في تبوك التي تفوح عطراً يمكن استثماره في الصناعات التحويلية والمهرجانات والتجارب السياحية الحية. وتكتسب هذه الثروات زخمها من جائزة المزرعة النموذجية، التي رعاها سمو أمير المنطقة لأكثر من ثلاثة عقود، لتتحوّل اليوم من مجرد تنافس إنتاجي إلى رؤية مستقبلية تحتضن الاستدامة والضيافة الريفية ومفهوم «السياحة الزراعية»، مانحة المزارع أفقاً جديداً للاستثمار.
غير أن طموح تبوك يمتد لتبني أحدث تقنيات الزراعة الذكية وسلاسل الإمداد الخضراء، لتلتقي عراقة الحقل مع تقنيات العصر. ففي شمالها الغربي تولد أيقونة المستقبل «نيوم» ومدينة «ذا لاين»، جنباً إلى جنب مع المشاريع الساحلية العملاقة، ومطار نيوم، والشبكات اللوجستية الحديثة. هنا يلتقي سحر الريف مع هندسة المستقبل، حيث تتصل المزرعة بالوجهة السياحية العالمية، ويرتبط المنتج بالسوق والساحل بالمطار، لتصنع المنطقة حلقة اقتصادية متكاملة.
ويأتي هذا التحوّل الكبير تحت مظلة رؤية السعودية 2030 بقيادة ملهمة من الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، الذي وضع شمال غرب المملكة في قلب خارطة التغيير الاقتصادي والسياحي العالمي. وهنا تتناغم الرؤية الوطنية الكبرى مع خبرة الأمير فهد بن سلطان العميقة بتفاصيل تبوك وطبيعتها وإنسانها.
ويبرز معرض المنتجات الزراعية، المزمع انطلاقه في هذا الشهر برعاية سمو أمير المنطقة، كنافذة حية تختزل هذه الإمكانات الهائلة من المنتجات الزراعية المتنوعة، والابتكارات النوعية الهائلة، ويجب التوقف هنا عن استحضار الأثر التنموي العميق لجائزة سموه للمزرعة المثالية، تلك المبادرة الرائدة، التي انبثقت من بصيرة قائد ملهم ومحب لمجتمعه، أدرك مبكراً أن نهضة الأرض تبدأ من تحفيز الإنسان. لقد كانت هذه الجائزة، ولا تزال، وقوداً أشعل روح التنافس الإيجابي بين المزارعين، ودفعتهم للابتكار ورفع كفاءة الإنتاج وتبني أحدث الممارسات الزراعية والبيئية المستدامة، لتتحوّل رؤية سموه إلى واقع أخضر يفيض بالعطاء. كما يفتح المعرض أبواباً رحبة للشراكات الاستثمارية الواعدة بين المنتجين والمستثمرين، لترجمة خيرات الأرض إلى فرص اقتصادية ملموسة تعزز مكانة تبوك على خارطة الإنتاج الوطني.
إن حكاية تبوك اليوم هي قصة تكامل بديعة: زراعة مزدهرة، وورد يعانق الغيم، وجبل يرتدي البياض، وسواحل تصنع الفارق، ومشاريع تبهر العالم. إرث صنعه الأمير سلطان، ومسيرة يقودها الأمير فهد بن سلطان، ومستقبل يصيغه الأمير محمد بن سلمان بحكمة واقتدار.
رحم الله الأمير سلطان، وحفظ الله سمو ولي العهد، وسمو أمير تبوك، وأدام على هذا الوطن أمنه وازدهاره بقيادة خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله. تبوك اليوم ليست على هامش الحكاية، بل هي قلب المستقبل وعنوانه الأخضر النابض وداعم تنميته الأقوى.


