هناك سؤالٌ واحد، إذا عرفت إجابته، استطعت أن تفهم كل أيديولوجيا عرفها الإنسان.
ليس السؤال: بماذا تؤمن؟
ولا: إلى أي تيارٍ تنتمي؟
ولا: ما موقفك من هذه القضية أو تلك؟
السؤال الحقيقي هو:
من يملك الكلمة الأخيرة؟
قد يبدو سؤالاً بسيطاً، لكنه السؤال الذي بنت عليه الأمم دولها، أو هدمت به دولها، فمنذ أن عرف الإنسان التنظيم السياسي، لم تكن المعارك الكبرى تدور حول الأفكار وحدها، بل حول المرجعية التي تمتلك حق الفصل عندما تتعارض الأفكار، وتتزاحم الولاءات.
ولهذا، فإن جميع الأيديولوجيات، مهما اختلفت أسماؤها، تشترك في خاصيةٍ واحدة، فهي لا تبحث أولاً عن السلطة، بل تبحث عن المرجعية؛ لأنها تدرك أن من امتلك المرجعية، امتلك الاتجاه الذي ستسير إليه السلطة لاحقاً.
بعضها يجعل المرجعية للفرد، وبعضها للطبقة، وبعضها للقومية، وبعضها للحزب، وبعضها للجماعة، وبعضها للثورة، وبعضها للفكرة المجردة، لكنها جميعاً تبدأ من السؤال نفسه: من الذي تُطاع كلمته حين يقع الاختلاف؟
وهنا تبدأ قصة الدولة.
فالدولة ليست مجرد أرض، ولا مؤسسات، ولا حدوداً، ولا أجهزةً إدارية، بل هي المرجعية الجامعة التي تمنع المجتمع من أن يتحول إلى مرجعياتٍ متنافسة، لكل واحدةٍ منها مشروعها، وقرارها، وسلطتها المعنوية.
ولهذا، فإن الدول لا تنهار دائماً عندما تضعف جيوشها، أو تتراجع اقتصاداتها، أو تقل مواردها، بل قد تنهار، وهي تملك كل ذلك، إذا فقدت وحدتها المرجعية، إذ تبدأ لحظة التراجع حين يصبح لكل جماعةٍ مرجعها، ولكل تيارٍ سلطته المعنوية، ولكل تنظيمٍ مرجعية تنازع المرجعية الجامعة.
تبدأ الدولة بالتراجع، قبل أن تتراجع حدودها.
وهنا تتجلى خصوصية الدولة السعودية، فلم تقم على أيديولوجيا الصراع، ولا على الثورة الدائمة، ولا على إنتاج العدو الداخلي، بل قامت على البيعة الشرعية، والسمع والطاعة لولي الأمر في المعروف، باعتبارها الإطار الذي يحسم المرجعية، ويحفظ وحدة الدولة، ويمنع انتقال المجتمع إلى مراكز قرارٍ متنافسة.
وليس معنى ذلك إلغاء الاجتهاد، أو مصادرة النصيحة، أو إغلاق باب المراجعة، فالفرق كبير بين رأيٍ يعمل داخل مرجعية الدولة، ورأيٍ يعمل على إنشاء مرجعيةٍ موازية لها، الأول يمارس الإصلاح داخل الدولة، أما الثاني فيبدأ بفكرة، ثم ينتهي بمرجعيةٍ تنازع مرجعية الدولة.
ومن هنا، فإن أخطر ما تفعله الأيديولوجيات، ليس أنها تختلف مع الدولة، فالاختلاف جزءٌ من طبيعة المجتمعات، وإنما أنها تنقل مركز المرجعية من الدولة إلى غيرها، فهي لا تطلب من الإنسان أن يغيّر رأيه فقط، بل أن يغيّر الجهة التي تمنحه شرعية الرأي.
وهذا هو الفارق بين الفكر والأيديولوجيا. الفكر يبحث عن الحقيقة، أما الأيديولوجيا فتبحث عن الأتباع.
الفكر يقبل أن يعيش داخل الدولة، أما الأيديولوجيا فلا تهدأ حتى تصبح هي الدولة، أو المرجعية التي تعلو عليها.
والأيديولوجيا تسأل الإنسان: مع من تقف؟
أما الدولة، فتسأله: تحت أي رايةٍ تقف؟
ولهذا، فإن أخطر الأيديولوجيات ليست تلك التي تعلن خصومتها مع الدولة منذ البداية، بل تلك التي تبدأ بإقناع الناس أن هناك مرجعيةً أعلى من المرجعية التي تحفظ وحدة المجتمع، فإذا استقر هذا التصور في العقول، لم تعد الأزمة أزمة أفكار، بل أصبحت أزمة سيادة.
إن قوة الدولة لا تقاس بعدد القوانين التي تصدرها، ولا بحجم مؤسساتها، بل بقدرتها على أن تبقى المرجعية العليا التي يلتقي عندها الجميع، مهما اختلفت آراؤهم، ومدارسهم، واجتهاداتهم، فاختلاف الأفكار لا يهدم الدول، أما اختلاف المرجعيات، فهو أول معاول الهدم.
المعيار:
ليست المشكلة أن يحمل الإنسان فكرة، بل أن تمنحه الفكرة مرجعيةً تنافس مرجعية الدولة، فهناك تبدأ الأيديولوجيا، وهناك يبدأ الانقسام.
كل الأيديولوجيات تبحث عن الكلمة الأخيرة، أما الدولة فلا تبحث إلا عن أن تبقى الكلمة الأخيرة للدولة.
نقطة آخر السطر:
حين تصبح الدولة مرجعاً للأيديولوجيات يستقر الوطن، أما حين تحاول الأيديولوجيات أن تصبح مرجعاً للدولة فلا يبقى الصراع بين الأفكار، بل يبدأ الصراع على الدولة نفسها.




