في كل مرة يثار فيها الحديث عن تطوير التعليم، تتكرر الكلمات ذاتها: الخطط، والإستراتيجيات، والمسارات، والحوكمة، والكفاءة، والمؤشرات، والدمج، وإعادة الهيكلة، والتحول الرقمي. وكأن مستقبل التعليم كله يكمن في اللوائح والبرامج والأنظمة.
لكن السؤال الذي يتوارى دائماً خلف هذا الضجيج الإداري هو: ماذا قدمنا للمعلم نفسه؟
فالمدرسة ليست مبنى، ولا منصة، ولا مؤشراً رقمياً، هي إنسان يقف كل صباح أمام طلابه، يحمل على كتفيه مسؤولية بناء الأجيال. وإذا كان الجميع يتفق على أن المعلم هو حجر الزاوية في العملية التعليمية، فلماذا لا ينعكس هذا الاتفاق في المزايا التي يحصل عليها؟
معظم الموظفين في القطاعات المختلفة يجدون أمامهم أبواباً متعددة لتحسين دخلهم؛ مكافآت، وبدلات، وحوافز، وبرامج تميز، وفرص استشارية، أو مزايا وظيفية متنوعة. أما المعلم، ففي الغالب لا ينال سوى راتبه الشهري، مهما اجتهد أو تميز أو ابتكر.
لماذا لم نفكر يوماً في صناعة مصادر دخل إضافية للمعلم ترتبط بخبرته ومهنته؟ لماذا لا يكون للمعلم نصيب من البرامج الوطنية، أو المشاريع التعليمية، أو المحتوى الرقمي، أو الاستشارات التربوية، أو المبادرات المجتمعية التي تستثمر خبراته؟ إن الاستثمار في المعلم ليس منحة، إنما استثمار في جودة التعليم نفسها.
ومن المؤلم أن يتحول بعض المعلمين إلى باحثين دائمين عن الجوائز المحلية أو الإقليمية والدولية، ليس لأن التنافس العلمي غاية بحد ذاته، وإنما لأن الجائزة قد تمنحهم عائداً مالياً يعوض شيئاً من احتياجاتهم. فالجوائز وجدت للاحتفاء بالتميز، لا لتصبح وسيلة لتحسين الدخل.
والأشد إيلاماً، أن يضطر معلم آخر إلى ممارسة عمل إضافي بعد انتهاء دوامه، أو في عطلاته، ليؤمن مستوى معيشياً أفضل لأسرته. حينها لا نخسر وقت المعلم فحسب، ولكن نخسر جزءاً من طاقته الذهنية، وشغفه، وقدرته على التجديد داخل الفصل الدراسي. فالمعلم الذي ينشغل بالبحث عن مصدر رزق آخر، لا لأنه يرغب، بقدر ما هو مضطر لذلك، يرسل لنا رسالة تستحق أن نتوقف عندها ونحن نتحدث عن جودة التعليم
والأمر لا يقف عند ذلك. فكل عام نحتفل بالمعلم، ونكتب عنه أجمل العبارات، ونقيم حفلات التكريم، ونمنحه الدروع والشهادات. لكنها، في النهاية، تظل مكافآت معنوية تنتهي بانتهاء المناسبة. أما التكريم الحقيقي فهو أن يشعر المعلم بأن مهنته تمنحه جودة حياة أفضل، وفرصاً أكبر، ومستقبلاً أكثر استقراراً.
وهناك سؤال آخر يستحق أن يُطرح بهدوء وموضوعية، خاصة مع توسع نماذج التوظيف عبر الشركات في بعض الأعمال المرتبطة بالتعليم، وما يتردد بين الحين والآخر عن التوجه نحو أنماط تعاقدية أكثر مرونة. فإذا كان هذا هو المسار المستقبلي، فلماذا لا تكون مهنة التعليم نموذجاً جاذباً للعقود لا أقل منها؟ ولماذا لا يتمتع المعلم بالمزايا التي اعتاد أن يحصل عليها أصحاب العقود في كثير من القطاعات الأخرى، من حوافز أداء، وتأمينات ومزايا تنافسية، وفرص نمو وظيفي أكثر مرونة؟ إن القضية ليست في نوع العقد بقدر ما هي في القيمة التي يمنحها المجتمع لمن يحمل رسالة التعليم. فإذا كنا نتطلع إلى استقطاب أفضل الكفاءات والمحافظة عليها، فإن أي نموذج وظيفي جديد يجب أن يبدأ من جعل مهنة التعليم أكثر جاذبية، لا مجرد تغيير شكل العلاقة الوظيفية.
وثمة سؤال لا يقل أهمية: إلى متى سيظل دوام المعلم وإجازاته تحت المجهر، وكأنهما المشكلة الكبرى في التعليم؟ فبين حين وآخر يظهر نقاش جديد حول البصمة، أو تمديد وقت الدوام، أو تقليص الإجازات، أو تشديد إجراءات الحضور والانصراف، بينما يغيب النقاش نفسه عن طبيعة المهنة وما تتطلبه من جهد ذهني ونفسي يمتد إلى ما بعد نهاية اليوم الدراسي.
فالمعلم لا يغادر عمله عندما يغلق باب الفصل؛ إذ يصحح، ويخطط، ويتابع، ويتواصل مع أولياء الأمور، ويحمل هم طلابه معه إلى المنزل. والمطلوب ليس إعفاء المعلم من الالتزام، فالالتزام أساس كل مهنة، وإنما أن ننظر إلى مهنته بوصفها من أكثر المهن استنزافاً للإنسان، وأن نبني أنظمة الدوام والإجازات على فهم طبيعة هذه الرسالة، لا على افتراض أنها وظيفة مكتبية يمكن قياسها بساعات الحضور وحدها.
لابد أن نعلم أن الإجازة السنوية أو الفصلية، هي حق إنساني قبل أن تكون ميزة وظيفية. ومع ذلك، يبقى المعلم من أقل الموظفين قدرة على اختيار توقيت إجازته، إذ تفرض عليه في وقت محدد لا يملك تغييره، مهما كانت ظروفه الأسرية أو الصحية أو الاجتماعية. وقد يكون هذا مناسباً لتنظيم العام الدراسي، لكنه لا يمنع من التفكير في حلول أكثر مرونة تمنح المعلم مساحة أوسع لإدارة حياته.
حتى برامج التطوير المهني تحتاج إلى مراجعة. فكم من معلم يدخل دورة تدريبية لأنها إلزامية لا لأنها ملهمة؟ وكم منها يُقدَّم في أوقات الإجازات، في الوقت الذي ينتظر فيه المعلم أن يستعيد شيئاً من راحته بعد دوام يوم مدرسي شاق أو بعد عام دراسي طويل؟ التدريب الحقيقي ليس ساعات حضور، هو تجربة معرفية ممتعة، يقدمها أفضل الخبراء، وتفتح أمام المعلم آفاقاً جديدة، لا أن تتحول إلى عبء إضافي.
لقد أنفقنا كثيراً على تطوير المناهج، والمنصات، والاختبارات، والأنظمة، وهذا أمر مهم، لكن الاستثمار الأكبر ينبغي أن يكون في الإنسان الذي يمنح كل هذه المشاريع الحياة. فالمعلم الراضي، والمحفَّز، والمطمئن مادياً ومهنياً، هو القادر على تحويل أي خطة إلى واقع.
ربما حان الوقت لأن يتغير السؤال. بدلاً من أن نسأل: كيف نطور التعليم؟ لنسأل أولاً: كيف نجعل مهنة التعليم أفضل مهنة يمكن أن يحلم بها الشاب السعودي؟
فحين يصبح المعلم هو المشروع الأول، ستصبح بقية المشاريع أكثر نجاحاً، وأقل تكلفة، وأطول أثراً.




