هل السعادة تسبق الإنجاز فتقوده؟ أم أن الإنجاز هو الذي يفتح أبواب السعادة؟ أم أننا، في الحقيقة، داخل دائرة متصلة بين الطرفين كلّ طرف يمدّ الآخر بالحياة ثم يستمدّها منه؟
ولماذا نرى أناساً يكدحون ويحترقون بلا توقف، وينجزون ويحققون، لكن وجوههم تقول شيئاً آخر لا يعكس إنجازاتهم؟ بينما نجد آخرين تملؤهم السعادة الداخلية ويسكنهم الرضا فينجزون دون لهاث أو ركض؟
العلاقة بين السعادة والإنجاز علاقة أشبه بترددات خفية بين قوتين، كلما اقتربت إحداهما من الأخرى أعادت تشكيلها من جديد. فالسعادة ليست محطة وصول، بل طاقة دافعة تُعيد ترتيب خطواتنا للمرحلة التالية. والإنجاز مرآة تعكس لنا من نكون حين ننجح في تحويل الفكرة إلى فعل وأثر.
البعض منا يعتقد أن تحقيق السعادة لا يكون إلا في نهاية المطاف وقطف الثمرة، لكننا نفاجأ بأن السعادة كانت تسير معنا أثناء عملنا على تحقيق الإنجاز وقبل تحقيقه. المعادلة إذاً حلقة دائرية: فالسعادة تُنبت القدرة على الإنجاز، والإنجاز يعيد توليد السعادة من جديد.
نستنتج أن سعادة الموظف ليست رفاهية إدارية، إنما مورد إنتاجي، وهذا ما يفسر لماذا يحقق موظفان يمتلكان المؤهلات نفسها نتائج مختلفة تماماً؛ لأن أحدهما يعمل في بيئة تمنحه الثقة والاحترام والقيمة، بينما يعمل الآخر في بيئة تستنزف طاقته قبل أن يبدأ يومه خاصة من يعملون مع بعض المرضى نفسياً ممن يسمون «مدراء».
بعض الإنجازات تصنع السعادة، كما أن هناك إنجازات تسرق السعادة وتسرق النوم من عيون صاحبها بسبب اللهاث والسباق اللامنتهي. فقد يحقق المدير أرباحاً قياسية، لكنه يخسر أسرته. وقد يبني رجل الأعمال إمبراطورية مالية، لكنه يعجز عن النوم. وقد يحصل الموظّف على ترقية كان يحلم بها، ثم يكتشف أن حياته أصبحت أكثر فقراً من أي وقت مضى. إذاً، السرّ ليس في الإنجاز، بل في فلسفة الإنجاز.
فالإنجاز المنفصل عن الطبيعة البشرية السوية يتحول إلى عبء، بينما الإنجاز المتصل بالغايات السويّة يتحول إلى مصدر للطاقة.
هذا الموضوع أشغل الفلاسفة بين الإنجاز والسعادة منذ القدم، فكان السؤال الفلسفي الأزلي كيف يبلغ الإنسان السعادة؟
كان أرسطو من أوائل من ربطوا السعادة بالإنجاز، وقد رأى أن السعادة هي ازدهار الإنسان عندما يمارس أفضل ما لديه من قدرات وفضائل. فالنجاح الحقيقي عنده ليس امتلاك المال أو السلطة، وإنما تحويل الإمكانات الكامنة إلى واقع نافع. ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة التي يمكن تلخيصها بأن الإنسان لا يصبح سعيداً لأنه يملك، وإنما لأنه يفعل، ويُتقن، ويحقق الغاية التي خُلق لها.
أما الرواقيون فيرون الإنجاز ليس فيما نحقّق، بل في الطريقة التي نستجيب بها لما يحدث. هم يرون أننا قد لا نملك النتائج دائماً، لكننا نملك جودة الأداء والانضباط والإتقان، وهذه في ذاتها مصدر للرضا.
أما إبيقور فيذهب أبعد من ذلك فيحذر من أن يتحول الإنجاز إلى سباق لا نهاية له؛ لأن الإنسان إذا جعل السعادة رهينة بهدف المرحلة التالية للإنجاز فلن يصل للسعادة أبداً، إذ إن كل إنجاز سيولد رغبة أكبر منه، وهذا يقتل السعادة.
أما علماء النفس الإنساني، الذين جاؤوا فيما بعد، يقدمون تفسيراً علمياً لهذه العلاقة، وهو أن الإنسان يزدهر عندما يشعر بثلاثة أمور: الكفاءة، والاستقلالية، والانتماء. وكلها تتحقّق بدرجات متفاوتة من خلال الإنجاز الحقيقي.
الآن نعود لسؤالنا في مستهل هذا المقال: هل سعادة الموظف من المنظور الإداري للموارد البشرية نتيجة للإنجاز أم سبب له؟ اعتقدت كثير من المؤسسات لفترات طويلة أن الطريق بسيط والمعادلة سهلة: اعمل أكثر تنجز أكثر فتربح أكثر وتشعر بسعادة أكبر، لكن هذه المفاهيم على ما يبدو تآكلت أمام متغيّرات السوق وواقع اقتصاد المعرفة وهجمات التقنية والرقمنة وهو ما قلب المعادلة. بالتوافق مع ما جاءت به نتائج الدراسات فإن الإنسان السعيد يصبح أكثر إبداعاً، وأكثر تعاوناً، وأكثر قدرة على حل المشكلات، وأكثر إنتاجية وليس العكس.
فهل التغييرات التي مرت بها مسميات إدارات «شؤون الموظفين» أو «إدارة القوى العاملة» مروراً بـ«إدارة الموارد البشرية» ووصولاً إلى «رأس المال البشري» في العقود والسنوات الماضية يُعد ترفاً لغوياً أو وجاهةً إدارية أم إنها انعكاس لمراحل التحولات الكبرى التي شهدتها السوق والاقتصاد والإدارة.
فمن إدارة الأشخاص ومرحلة الإجراءات إلى إدارة القيمة والقدرة التشغيلية للمؤسسة ومنها إلى أن أصبح الإنسان أحد موارد المؤسسة إلى جانب رأس المال والتقنية والمعلومات والمعدات، وهنا لم يعد الموظف مجرد موظف، بل مورداً يجب أن يتم استثماره وتنميته بالتدريب والتطوير والتقييم وإدارة الابتكار وتخطيط المسار الوظيفي والحوافز والثقافة التنظيمية.
غير أن التحوّل الأكبر حصل بعد أن أصبح الإنسان رأس مال بشري، فلم يعد ينظر له على أنه مورد يستهلك، بل رأس مال يولد قيمة متزايدة كلما تم استثمار (وليس استغلال) إمكاناته وقدراته. فالفرق كبير بين «مورد» و«رأس مال». فالمورد ينقص ويستهلك مع الاستخدام، بينما رأس المال يزداد قيمة مع الزمن. وقد تبنّت بعض الدول هذا المفهوم؛ لأن الاقتصاد تغيّر خاصة مع دخول مصطلح اقتصاد المعرفة واعتبار الإنسان هو مصدر الثروة الحقيقية، وهو ما جعل القيمة السوقية للشركات تعتمد بدرجة أكبر على خبرات موظفيها وابتكاراتهم وعلاماتهم التجارية وبراءات اختراعاتهم أكثر من اعتمادها على المصانع والمعدات.
وهذا ما تحوّل معه سؤال إدارات الموارد البشرية من «كيف نجعل الموظفين يعملون أكثر؟» إلى سؤال اليوم «كيف نجعل الموظفين يرغبون في العمل أكثر؟» الفرق بين السؤالين كبير جداً. ولذلك بدأت المؤسسات الرائدة تدرك أن الموظف لا يعمل بدافعية وبكامل طاقته بسبب الراتب وحده، بل لأنه يشعر بأن عمله له قيمة، وأن صوته مسموع، وأن جهده مقدّر، وأن مستقبله يتطور. ولهذا لم يعد مفهوم «إدارة الموارد البشرية» كافياً، بل بدأ العالم يتحدث عن «إدارة رأس المال البشري»، ثم عن «إدارة التجربة الوظيفية»، ثم عن «إدارة الازدهار المؤسسي».
إنها رحلة انتقال من إدارة الأيدي إلى إدارة العقول، ثم إلى إدارة القيمة والمعنى. باختصار: بيئة عمل عادلة ثم شعور بالثقة ثم ارتفاع الدافعية ثم جودة أعلى في الأداء ثم نجاح وإنجاز ثم رضا وسعادة ثم رغبة أكبر في العطاء ثم إنتاجية أعلى.
أي أن السعادة ليست النتيجة الأخيرة، بل جزء من دورة الإنتاج نفسها.
ولهذا فإن المؤسسات التي تكتفي بقياس الأرباح، وتتجاهل مستويات الثقة والانتماء والرضا، تشبه من يقيس سرعة السيارة ويتجاهل مستوى الوقود.


