في كل بيئة عمل هناك معركة لا تُرى في التقارير الرسمية، ولا تظهر في العروض البراقة، ولا تتحدث عنها نشرات الإنجاز السنوية.
معركة يعيشها القائد الحقيقي حين يجد نفسه محاصراً بإدارة عليا لا تعرف الواقع، ولا تسمع الميدان، ولا تشعر بالمعاناة اليومية التي تُستهلك فيها الأعصاب والأعمار.
أسوأ ما يمكن أن يواجهه القائد ليس ضعف الفريق، ولا قلة الإمكانات، ولا حتى ضغط السوق، بل أن يعمل تحت إدارة تعيش في فضاء مختلف، تتحدث بلغة لا تشبه الناس، وتبني قراراتها على أحلام معلبة وشعارات محفوظة، بينما الأرض تحترق وتهتز تحت أقدام العاملين.
تجدهم مولعين بعبارة «التفكير خارج الصندوق»، وكأن الصندوق الحقيقي هو الواقع نفسه..!
يريدون حلولاً مبهرة، وقفزات خارقة، وتحولات فورية، بينما الموظف بالكاد يجد نظاماً مستقراً أو صلاحيات واضحة أو بيئة عمل آدمية تساعده على الإنجاز.
وحتماً الإدارة التي لا تنزل للميدان تتحول مع الوقت إلى ماكينة تنظير لا تمت للواقع بصلة.
اجتماعات طويلة، عروض ملونة، كلمات ضخمة عن الرؤية والاستدامة والابتكار، ثم حين تقترب من التفاصيل تكتشف أن لا أحدَ يعرف ماذا يحدث فعلاً داخل كيانات المؤسسة.
بعض القيادات العليا وليست التنفيذية، لا تدير المؤسسات، بل تدير الوهم!
يبيعون الحلم للمالكين، وللإعلام، وللموظفين، وأحياناً لأنفسهم أيضاً.
يتحدثون عن «التحول الكبير»، بينما الموظفون غارقون في التخبّط..
يتحدثون عن «تمكين الإنسان»، بينما أفضل الكفاءات تفكر يومياً في الاستقالة!
يتحدثون عن «ثقافة النجاح»، بينما بيئة العمل نفسها طاردة لأي شخص صادق يريد أن يعمل بضمير.
ثم تأتي اللحظة المعتادة في نهاية العام.
تتعثر المشاريع. تفشل الخطط. تتبخر الوعود. فتبدأ مسرحية التنصل الكبرى.
فجأة يصبح الخطأ خطأ «الفريق التنفيذي»، ويتحول القائد الميداني إلى كبش فداء، ويُقال بكل برود: «لم نجد فريقاً قادراً على تحقيق الرؤية».
أي رؤية هذه التي وُلدت أصلاً بعيداً عن الواقع؟
وأي خطط تلك التي صاغتها مكاتب مغلقة لا تعرف كيف يعيش الموظفون فعلاً؟
المؤلم أن كثيراً من المؤسسات لم تعد تثق بخبرة أبنائها، بل أصبحت تؤمن أكثر بالشركات الاستشارية التي تبيع الكلام الفخم في قوالب أنيقة.
ملايين تُدفع لدراسة «الواقع»، بينما الموظف البسيط كان قادراً أن يشرح المشكلة الحقيقية في عشر دقائق لو أن أحداً قرر الاستماع إليه. لكن الاستماع للفريق المجتهد متعب ومضيعة للوقت. أما التعاقد مع شركة استشارية فمريح؛ لأنه يمنح الإدارة العليا غطاءً أنيقاً للفشل القادم.
والكارثة أن هذه النوعية من القيادات لا تخسر المشاريع فقط، بل تخسر البشر!
تخسر القادة الحقيقيين الذين يمشون على الأرض. تخسر أصحاب الخبرة الذين يعرفون تفاصيل العمل. تخسر المخلصين الذين تعبوا وهم يحاولون حماية المؤسسات من الانهيار البطيء.
ومع الوقت، لا يبقى إلا المصفقون، الذين يجيدون ترديد المصطلحات الحديثة، والتقاط الصور، وكتابة التقارير الوردية، بينما الحقيقة في الداخل مختلفة تماماً.
المؤسسات بكل تخصصاتها لا تنهار دائماً بسبب قلة المال، بل تنهار أحياناً بسبب فائض الوهم.
وحين تصبح الإدارة العليا منفصلة عن الناس، فإن كل شيء يتحول إلى عرض مسرحي ضخم: أهداف لا تُحقق، خطط لا تُنفذ، اجتماعات لا تنتهي، وموظفون يزدادون إنهاكاً يوماً بعد يوم.
القائد الحقيقي لا يحتاج أن يفكر «خارج الصندوق» طوال الوقت. أحياناً كل ما يحتاجه أن ينزل إلى الأرض، أن يسمع، أن يرى، أن يعيش الواقع كما هو، لا كما يظهر في شرائح البوربوينت؛ لأن المؤسسات لا تُدار بالشعارات، ولا بالأحلام المباعة بالجملة، ولا بالتنظير الفج.
المؤسسات تُدار بالبشر، وحين نخسر البشر، نخسر كل شيء.
ومن أكثر المشاهد قسوة داخل المؤسسات، أن تتحول «كفاءة الإنفاق» إلى سكين يُسلَّط فقط على الموظفين والقيادات الوسطى، بينما تبقى امتيازات الإدارة العليا منطقة محرّمة لا يقترب منها أحد.
ففجأة تبدأ قرارات التقشف: تقليص حوافز، إلغاء بدلات، تجميد ترقيات، ضغط على الرواتب، وتحميل الموظفين أعباء إضافية تحت شعارات «إعادة الهيكلة» و«رفع الكفاءة».
لكن المثير للسخرية أن هذه الصرامة المالية لا تصل أبداً إلى المكاتب العليا، ولا تمس المكافآت الضخمة، ولا العقود الفاخرة، ولا النسب التي تُصرف وكأن المؤسسة حق خاص لفئة محددة.
الأسوأ أن بعض الإدارات تتعامل مع الموظفين وكأنهم بند تكلفة يجب خنقه، لا بشراً يحملون المؤسسة على أكتافهم كل يوم.
يرون أن النجاح الحقيقي هو كم استطاعوا اقتطاعه من جيوب من تحتهم، لا كم استطاعوا بناء بيئة تحفظ الكرامة والعدالة والانتماء.
وحين يشعر العاملون أن التقشف لا يُطبق إلا عليهم، وأن «الكعكة» محفوظة دائماً للأعلى، فإن الولاء يموت بصمت، ويتحول العمل إلى مجرد حضور بارد بلا روح؛ لأن الإنسان قد يتحمل التعب، لكنه نادراً ما يغفر الظلم.
ولهذا، فإن مسؤولية إنقاذ المؤسسات لا تقع على الموظفين وحدهم، ولا على القادة الميدانيين الذين يُستنزفون كل يوم وهم يحاولون ترميم ما تُفسده القرارات البعيدة عن الواقع.
المسؤولية الحقيقية تبدأ من مجالس الإدارات والمساهمين؛ لأن الصمت الطويل على القيادات المنفصلة عن الميدان لا يصنع نجاحاً، بل يصنع انهياراً مؤجلاً.
على مجالس الإدارات أن تسأل بصدق: هل تصلنا الحقيقة كما هي، أم كما يريد البعض تلميعها؟
هل تُقاس النتائج بواقع المؤسسة، أم بعدد العروض والاجتماعات والشعارات؟
هل تُحمى الكفاءات، أم تُدفع بصمت نحو الاستقالة والإحباط؟
وهل أصبحت بعض المناصب العليا وسيلة لحماية الامتيازات الشخصية أكثر من كونها مسؤولية أخلاقية ومهنية؟
المؤسسات لا تحتاج مزيداً من الخطب الحالمة، تحتاج قيادات تمشي على الأرض، تعرف الناس، وتفهم الألم قبل أن تكتب الخطة.
وحين تغيب الرقابة الحقيقية، وتُترك المؤسسات رهينة للوهم والتنظير وحماية المصالح، فإن الخسارة لا تكون في الأرقام فقط، بل ستكون في البشر الذين كانوا يوماً قادرين على صنع الفرق ثم غادروا بصمت.
فالموظف قد يصبر على ضغط العمل، وعلى قلة الموارد، وعلى صعوبة الطريق، لكنه لا يستطيع أن يعمل طويلاً تحت إدارة لا تراه، ولا تسمعه، ولا تشعر أصلاً بوجوده.


