الدولة الوطنية كمفهوم نشأت في أوروبا الحديثة على أساس المواطنة دون تمييز ديني أو عرقي أو من ناحية الجنس، وهي بذلك قضت على مفاهيم ظالمة لبعض ممارسات الدولة ذات الشكل الإمبراطوري والاستعماري، أي الدولة التي تستمد شرعيتها من الكنيسة في أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية شهد العالم ظهور وتبلور الدولة الوطنية الحديثة في كل مناطق العالم، وهي دول ذات سيادة وعقد اجتماعي قائم على حق المواطنة بدون تمييز عنصري مهما كانت مسوغاته. الدولة الوطنية الحديثة، هي وحدها تحتكر استخدام القوة ومؤسسات الدولة المتعددة، ولكن في عالمنا العربي منذ نهاية حقبة الاستعمار التقليدية، وظهور حركات التحرر الوطني، بدأت فكرة الدولة الوطنية في عالمنا العربي، والغالب للأسف أتت شرعيته من على ظهور الدبابات، وهذه التغيرات في شكل وبنية الدولة العربية الحديثة لم تخلق في الغالب دولاً وطنية قوية وناجحة. الدول ذات الصبغة الملكية والوراثية هي التي استمرت ونجحت في مشروعها التنموي، خاصة في دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي كونت دولة وطنية حديثة لم نجد للفكر والمليشيات المتعددة سواء الدينية أو الطائفية أو غيرهما تواجداً فيها، وفي معظم دول مجلس التعاون، رغم أن هذه الدول الحديثة عانت من الاضطرابات من أفكار الجماعات الإرهابية ذات التوجه المذهبي والديني خاصة وتعاملت معها بكل واقعية وبعيداً عن الانجرار ضد الفكر الذي تحمله أو تدعي أنها تحمله تلك المليشيات رغم فداحة الخسائر التي تعرضت لها الدول الخليجية، وكلنا يتذكر المليشيات الطائفية العابرة للحدود التي فعلت وأجرمت بحق أبناء وقاصدي المملكة وفي أطهر بقاع العالم من تفجيرات ومحاولة تسييس الحج مثلاً، بعدها شهدنا حالة الانفلات الأمني في بعض الدول العربية المجاورة ووصل الحال إلى قيام دولة دينية طائفية هي داعش وأخواتها. والسعودية عملت وانضمت إلى تحالف دولي عمل بشكل فعال للقضاء على تلك الحالة وفكرها بعيداً عن الاصطفاف مع الأفكار الدينية الطائفية لتلك الجماعة. والمملكة عملت منذ فترة على تجريم التيارات الإسلاموية في العالم، وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين.

ما تعانيه بعض الدول العربية الحديثة هي آفة المليشيات التي تختطف الدولة الضعيفة. والمشكلة أن شعوب تلك المنطقة هم ضحايا ذلك الفكر الممزق للدولة، وحتى لو كان هناك شكل من أشكال الانتخابات والتعدد، ولكن المواطن فيها يعاني من نقص في أغلب الخدمات بسبب نظام المحاصصة السياسية فيها، الذي تأتي فيه الدولة ومواطنوها في آخر أولوياتها. والعجيب أننا نشهد أن الولاء ليس لدولهم بل لدول أخرى قائمة على أساس مذهبي وديني. المثال الناصع على وجود هذه المليشيات المنفلتة هي الحشد الشعبي وأمثاله في العراق، التي لا تهدد فقط الدول المجاورة بإطلاق مسيرات على مصالح تلك الدول واقتحام المراكز الحدودية مع العراق، كما حدث في مركز العبدلي الكويتي مع العراق قبل أسابيع. واهم من يعتقد أن تأخر رد الدول هو ضعف وتردد، ولكن تفكير الدولة في التعاطي مع هذه المجموعات المنفلتة يختلف عن فكرها، فالدولة لها حساباتها الدقيقة ولا تستعدي أو تستهدف عموم الشعب العراقي مثلاً أو حتى داخل المكون الطائفي الحاضن لهذه المليشيات، كما أكدت المملكة العربية السعودية في بيانها الأخير حول الضربات التي نفذتها مع القوات الأمريكية ضد مواقع أسلحة لتلك المجموعات المنفلتة، فقد أكدت الرياض أنها لا تستهدف الشعب العراقي وتفرق بينه وبين مصالحه وهذه المليشيات واستهدافها لها بعيداً عن القضايا الطائفية التي يحاول البعض الخلط والزج بها هي بكل وضوح حماية سيادة المملكة بعد استنفاد كافة السبل الدبلوماسية والسياسية مع هذه الاعتداءات غير المنضبطة من هذه المليشيات التي قد يكون لمن يأمرها أهداف بعيدة وإستراتيجية لمنع انهيار نظامه في حربه مع أمريكا.