في معاني النصر والهزيمة يسعى النظام الإيراني لقول إنه انتصر على الولايات المتحدة، مرتكزاً على قدرة الصواريخ على الانطلاق، لا على قدرة المخابز على إطعام الشعب، وعلى قدرة المختبئين في أنفاق الجبال أن يطلقوا الرصاص على ناقلات النفط في هرمز، وإن غابت ناقلات الغذاء والحبوب بدواعي الحصار.

معاني اللانصر أولاً من قائد نصّب مباشرة بمرتبة المرشد الغائب، حيث لم يظهر له صوت ولا صورة، بل حتى إنه لم يحضر مراسم عزاء والده، لا أحد يعرف إن كان مصاباً يعالج في مبنى آمن في ضواحي طهران، أو استدعت حالته نقله إلى موسكو لنواحٍ أمنية قبل أن تكون طبية.

وإذا عدنا للمشروع الإيراني في تصدير الثورة والذي قاده قاسم سليماني والذي قضى بتوجيهات من الرئيس ترمب في فترته الأولى، في زاوية من زواياه استلهم نموذج الاتحاد السوفييتي الذي ورث تركة روسيا القيصرية، فتحوّلت أذرع المقاومة لنموذج أصغر من الجمهوريات الشرقية.

مع العلم أن النظام الإيراني سعى لتصدير الثورة في كافة المحيط العربي، ونذكر شواهد تصدّت لها الجزائر والمغرب في سنوات خلت، بل إن الطموح وصل إلى السعي للتأثير في المراكز الإسلامية في أوروبا، ومن أمثلة ذلك بلجيكا وبريطانيا وألمانيا، وأيضاً في الولايات المتحدة.

ومن يعارضون هذه القراءة يستندون إلى اختلافات أبرزها أن السوفييت هوية شيوعية حزبية مؤهلة أن تتحلل بشكل أسرع إذا ما زادت الضغوط الاقتصادية، بينما الهوية الإيرانية مركبة بين الأيديولوجيا الدينية والوطنية والإرث الوجداني الفارسي.

وهناك جانب آخر دقيق فالسوفييت واجهوا الغرب وحدهم بعد أن حيّدت واشنطن بكين، لكن إيران ولو لم يتضح الدعم لها من لدن روسيا والصين، إلا أنها تمثل الجدار الذي يعزل الغرب Buffer state عنهما.

وإذا ما نظرنا للمتشابهات بين التجربتين نجد أن الاستنزاف كان مشتركاً، فالروس استُنزفوا في أفغانستان وخرجوا منها كما خرج الحرس الثوري من سوريا، وسوريا مثلت استهدافاً مزدوجاً لإيران، فقد استنزف فيها الحرس الثوري وأيضاً حزب الله بنتيجة أدّت أيضاً إلى أن يكون مكشوفاً قبل البياجر وبعدها.

وأهم المشتركات هي وضع اقتصادي منهار وتراجع كبير في أسعار العملة، وصحيح أن المقاتلين قد يحملون في جيوبهم جوازات للجنة، لكن ما قاله نابليون ليس بعيداً على نحو وصفهم حين قال «الجيوش تسير على بطونها».

وحتى بعيداً عن الاستنزاف العسكري يُعد التحرك السياسي الأمريكي في استضافة رئيس وزراء العراق ثم الرئيس اللبناني خطوة لاستنزاف مكانة إيران السياسية كدولة سيطرت على قرار الدولتين فيما مضى، وهذه الحبال السرية بقاؤها استنزاف وزوالها انكشاف.

عندما تكون على حافة الهاوية يكون في تصوّرك أحياناً أن نسب النجاة مطابقة تماماً لاحتمالات الانهيار، وترى خصمك استخدم هذه النظرية في فن الصفقات، فتحاول نسخ تكتيكاته؛ لأنك تعلم أنه قد حرق الأرض وما عليها من سجاد، وقطع الكهرباء عن حيل البازار.

ولكن في طور محاولة إنجاح فن التفاوض على أنغام ويتكوف وجي دي فانس وكوشنير، تجد أنك في حقيقة الأمر تردد السيمفونية السابعة «لينغراد» أحد أبرز أعمال الموسيقي العظيم السوفييتي دميتري شوستاكوفيتش.

التاريخ لا يكرر نفسه.. لكن تأبى شهوة بقاء النظام على حساب الشعب من أن تنقل بتصرف من صفحات التاريخ.. الأكيد أن مقولة الرئيس الراحل إيزنهاور عن أن السياسيين يقبلون على الحروب والجنرالات يخشونها لم تقع عين قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي عليها؛ ربما لانشغاله بكتابة بيانات المرشد الغائب.