من الأسباب القوية التي تمنح رؤية المملكة وقود الاستمرار، والقدرة على إنفاذ إستراتيجيتها على النحو المرسوم، هو «الوعي» المستنير والمدرك لماهية التأصيل، والمعاصرة، والتأسيس عليها في حركة الانطلاق نحو المستقبل.

صدر عن المعهد الملكي للفنون التقليدية معجم وِرِث لمصطلحات الفنون المختلفة ضمن مبادرات وزارة الثقافة وبرنامج جودة الحياة.

المملكة تزخر بشتى أنواع الفنون تحمل كل الممارسات والتقاليد والعادات لحياة يومية مارست طقوسها وأصبحت أثراً خالداً لا يموت، يحمل عوامل حياته وخلايا تجديده.

إيمانًا بأن الحِرف والفنون التقليدية ليست مجرد ممارسات ماضية، بل هي مكوّن أصيل من مكونات الهوية الوطنية، ورافد مُهم من روافد الثقافة المعاصرة، ونافذة ننظر من خلالها لتاريخنا وثقافتنا وفنوننا.

كان وِرِث المنجز الوطني الذي وثق وحفظ الموروث الثقافي، لأكثر من 2000 مصطلح، من الفنون التقليدية بوصفه مشروعًا معرفيًا يتجاوز حدود الجمع اللغوي إلى تأسيس رؤية ثقافية متكاملة، للمصطلح بوصفه حاملاً للذاكرة، ووعاءً حيًا للخبرة الإنسانية المتراكمة في الحروف والفنون لبناء خطاب ثقافي وطني راسخ.

يفرض المعجم نفسه باعتباره ثمرة تلاقٍ بين ثلاثة مسارات المعرفة الأكاديمية، والخبرة الحرفية، والتوثيق الميداني. ثلاثية منحته قدرًا معتبرًا من المصداقية؛ لا يكتفي بالنقل من مصادر مكتوبة، بل يستنطق الذاكرة الشفهية ويستدعي الحِرفي بوصفه شريكًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد موضوع لها.

فالفنون التقليدية في جوهرها معرفة مُعاشة، لا تُختزل في تعريفات جامدة.

الرهان الأكبر في هذا العمل يتمثل في إحياء المصطلح، لا بوصفه وحدة لغوية فحسب، بل باعتباره مفتاحًا لفهم بنية الثقافة ذاتها. فالمعجم ينطلق من فرضية عميقة مفادها أن ضياع المصطلح يعني ضياع جزء من الوعي التاريخي، وأن استعادته هي استعادة لطبقات من المعنى كانت مهددة بالاندثار.

هذه الفرضية تمنح المشروع بعدًا حضاريًا، وتجعل منه أداة مقاومة للنسيان.

على المستوى المنهجي، يظهر جهد واضح في ضبط المصطلحات، وتصنيفها ضمن حقول دلالية دقيقة، مع ربطها بسياقاتها الوظيفية والثقافية. هذا التصنيف يفتح أفقًا لفهم العلاقات البينية بين الحرف والفنون والبيئة الاجتماعية.

حين تُدرج الأدوات، والمهن، والفنون، والأزياء، والعمارة ضمن منظومة واحدة، تعكس وعيًا بأن الثقافة التقليدية نسيج متكامل لا يمكن تفكيكه إلى وحدات معزولة.

غير أن هذا الطموح لا يخلو من بعض الملاحظات النقدية.

فالمعجم، في سعيه إلى التبسيط، يميل أحيانًا إلى تقديم تعريفات وظيفية مقتضبة، تُعرّف الشيء بما يُستعمل له، دون الغوص الكافي في أبعاده الرمزية أو التاريخية.

كان يمكن لبعض المداخل أن تستفيد من توسيع الشرح ليشمل سياق النشأة، وتحوّلات الاستخدام، والدلالات الاجتماعية التي تحيط بالمصطلح.

كما أن الحضور القوي للمنهج التصنيفي، على أهميته، قد يُفضي أحيانًا إلى شيء من الصرامة التي تُضعف انسياب القراءة.

فالقارئ غير المتخصص قد يجد نفسه أمام بنية أقرب إلى الفهرسة العلمية منها إلى السرد المعرفي الحي.

كان بالإمكان موازنة ذلك بإدخال شذرات تفسيرية أو أمثلة تطبيقية تُقرب المصطلح من التجربة اليومية، ما يميّز هذا المعجم قدرته على بناء جسر بين الماضي والحاضر. فهو لا يتعامل مع الفنون التقليدية بوصفها بقايا أثرية، بل يقدّمها كطاقة قابلة للتجدّد، وكمورد معرفي يمكن أن يُستثمر في التعليم، والتصميم، والصناعات الثقافية، منسجمًا مع التحوّلات الكبرى التي تشهدها المشاريع الثقافية المعاصرة، والتي تسعى إلى تحويل التراث من مادة للعرض إلى عنصر فاعل في الاقتصاد الإبداعي.

المعجم، لبنة أولى في مشروع أوسع لتأصيل المعرفة بالفنون التقليدية، وبناء قاعدة بيانات لغوية وثقافية يمكن أن تتسع وتُطوَّر.

وتكمن قيمته الحقيقية في كونه يضع الأساس، ويُعيد ترتيب العلاقة بين اللغة والتراث، ويُذكّر بأن كل مصطلح هو أثر حيّ، يحمل في طياته قصة مجتمع، وصوت إنسان، وملامح زمن.

بهذا المعنى، يغدو (معجم وِرِث) أكثر من كتاب مرجعي؛ إنه إعلان ثقافي عن استعادة الذات عبر اللغة، وعن وعي جديد بأن الهوية لا تُصان بالشعارات، بل تُبنى بالكلمات الدقيقة، والمعاني المحفوظة، والجهد العلمي الذي يمنح التراث حياة أخرى في وجدان الحاضر.

يبقى على وزارة الثقافة في حراكها المبارك المبادرة بإنشاء مكتبات في كل مول وسوق ومطار لزيادة المعرفة وإثراء العقل.

جهود مقدرة لوزارة الثقافة.