ليست كل الكؤوس تُخلَّد لأنها تُرفع، فبعضها يُخلَّد لأنها تُعاد إلى أصحابها في موقف يجسد الوفاء والبر ورد الجميل. ومن هذه المواقف ما صنعه الأمير محمد العبدالله الفيصل، رحمه الله، حين كتب درسًا في الوفاء قبل أن يكون مجرد تسليم لكأس.

- رحم الله الأمير محمد العبدالله الفيصل، أحد أبرز رجالات النادي الأهلي، الذي حفظت له ذاكرة الرياضيين والفنانين والشعراء ذكرى عطرة، ستبقى خالدة في سجلات تاريخنا الرياضي، وليس في تاريخ النادي الأهلي وحده. فقد قدّم لناديه الغالي والنفيس حبًا وعشقًا وكفاحًا ودعمًا، وتميز بطيب القلب ونقاء السريرة، ولا غرابة في ذلك، فهو ابن الأمير عبدالله الفيصل، وكما يقول المثل: «هذا الشبل من ذاك الأسد».

- ومن أجمل الخصال التي عُرف بها أبو تركي حرصه الشديد على برّ والده، رحمه الله، في حياته. ولعل ما يدور اليوم حول إرث الأمير عبدالله الفيصل، ومسودة الكتاب التي يعدها الزميل العزيز صالح العمودي لتوثيق جانب من مآثره، أعاد إلى ذاكرتي واحدًا من أروع مواقف البر والوفاء التي جسدها الأمير محمد العبدالله تجاه والده.

- فقد حرص على تسليم كأس وزارة الداخلية، التي ظل محتفظًا بها قرابة نصف قرن، إلى رئيس نادي الاتحاد آنذاك منصور حمدان البلوي، في قصر الأمير عبدالله الفيصل، وبحضور عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين.

- هذا الموقف التاريخي كنت أحد شهوده، بحكم عملي آنذاك مديرًا للمركز الإعلامي بنادي الاتحاد، وهو موقف لم يغادر ذاكرتي ولا وجداني حتى اليوم، لسببين: السبب الأول لم يكن الأمير محمد العبدالله ينظر إلى الكأس باعتبارها قطعة فضية، بل كان يراها فرصة ليرى البسمة ترتسم على وجه والده، وهو يشهد بنفسه إعادة أمانة تاريخية إلى أصحابها.

- أما السبب الثاني، يتمثل في لمسة الوفاء والتقدير التي قدمها الأمير محمد العبدالله لنادي الاتحاد، ممثلًا في رئيسه منصور البلوي، الذي أدرك مكانة الأمير عبدالله الفيصل، بوصفه رائدًا للحركة الرياضية السعودية، فحرص على أن تتصدر صورته متحف نادي الاتحاد، عرفانًا بفضله وتخليدًا لدوره التاريخي.

- ولم يكن ذلك من فراغ، بل انطلاقًا من حقيقة يعرفها المقربون، وهي أن الأمير عبدالله الفيصل كانت بدايات عشقه لكرة القدم وميوله الرياضية مع نادي الاتحاد، قبل تأسيس النادي الأهلي. وقد أكد هذه المعلومة الأستاذ طلعت لامي، رئيس نادي الاتحاد الأسبق، في تصريح مرئي نشره نادي الاتحاد عبر منصة (إكس) قبل أشهر، حين قال إن والده كان يصطحبه إلى الملعب، وكان برفقته الأمير عبدالله الفيصل، الذي كان يشجع الاتحاد قبل ارتباطه بالأهلي.

- من هنا جاءت مبادرة الأمير محمد العبدالله وفاءً لموقف الاتحاديين مع والده، فدعا منصور البلوي وعددًا من رجالات الاتحاد إلى منزل الأمير عبدالله الفيصل لتسليم الكأس من يديه، في مشهد حمل معاني الوفاء والاحترام المتبادل، وطوى صفحة امتدت لعقود، وفتح صفحة جديدة من الود والتقدير بين الاتحاديين والأهلاويين، في واحدة من أجمل المبادرات الرياضية والإنسانية.

- ومنذ ذلك اليوم، ظل سؤال لا يفارق ذهني: لماذا أصر الأمير محمد العبدالله على أن يتم تسليم الكأس في منزل والده، رغم أن بإمكانه إرسالها إلى مقر نادي الاتحاد؟ في تقديري، الإجابة تكمن في رغبة الابن البار في أن يُدخل السرور على قلب والده، وهو في أواخر عمره وأثناء مرضه، وأن يعيش معه تلك اللحظة التاريخية التي تعيد إليه حقبة عزيزة من حياته الرياضية، فكانت تلك المبادرة أعظم هدية يمكن أن يقدمها ابن لوالده.

- ونحن نستحضر اليوم السيرة العطرة للأمير عبدالله الفيصل، ونجله الأمير محمد العبدالله، رحمهما الله، فإن ذكرى تلك المناسبة ستظل شاهدة على مآثر الراحلين، كما ستبقى شاهدًا على موقف نبيل يُحسب أيضًا لرئيس نادي الاتحاد الأسبق منصور البلوي، الذي لم تمنعه حدة المنافسة بين الاتحاد والأهلي من أن يحفظ لرائد الحركة الرياضية السعودية مكانته، ويكرمه بأن تتصدر صورته متحف نادي الاتحاد.

- وهذا المشهد، في تقديري، يتكرر اليوم بصورة مختلفة؛ فكما حفظ الاتحاديون الجميل للأمير عبدالله الفيصل، نرى صحفيًا اتحاديًا يرد شيئًا من هذا الوفاء، حين بادر إلى توثيق مذكرات الأمير عبدالله الفيصل، ونشر ما ائتمنه عليه، حفاظًا على التاريخ، وصونًا لسيرة أحد أبرز رموزه، وحتى لا يصبح هذا التاريخ عرضة للتشويه أو العبث ممن لم يعايشوه، وإنما عرفوه سماعًا أو نقلًا.

- ختاماً.. لقد رحل الأمير عبدالله الفيصل، ورحل ابنه الأمير محمد العبدالله، لكن بقيت المواقف أصدق من الكلمات؛ لأنها هي التي تصنع التاريخ الحقيقي. وستظل تلك المبادرة درسًا في البر، والوفاء، ورد الجميل، قبل أن تكون مجرد مناسبة رياضية أو تسليم كأس.