في الأعراف الاجتماعية، ولا سيما في مبادرات الإصلاح بين الناس، اعتدنا أن يتلقى صاحب المبادرة كلمات الشكر والامتنان من الطرفين أو من أحدهما، تقديراً لجهده في رأب الصدع وإنهاء الخصومة. هذه هي الصورة المألوفة التي استقرت عليها قيم المجتمع وأخلاقياته.


- لكن ما استوقفني هذه المرة كان مشهداً مختلفاً تماماً، بعدما نشر الزميل محمد القدادي تغريدة قدم فيها شكره وامتنانه للزميل أحمد الشمراني، على خلفية وساطة قام بها الأخير أسهمت في إنهاء قضية قانونية كانت قائمة بسبب إساءة تعرض لها.


- ولكيلا يُساء فهمي، فإنني أقدر موقف الزميل أحمد الشمراني، وأرى أن ما قام به يجسد خلقاً رفيعاً يعكس روح التسامح والإصلاح. كما لا أشك في أنه قدم شكره بصورة مباشرة، شفهياً أو برسالة خاصة لقبول شفاعته، فهذا أمر طبيعي. غير أن يحدث العكس تماماً ونشر هذا الشكر على الملأ، مقروناً بالإشارة إلى تفاصيل الوساطة، هو ما أثار استغرابي، لأن المتعارف عليه أن مثل هذه الحالات غالباً ما يحرص المتسامح على إبقاء مثل هذه المبادرات بعيداً عن الأضواء، حفاظاً على مشاعر من عفا عنه، حتى وإن لم يذكر اسمه، وابتغاءً للأجر، لا بحثاً عن الإشادة.


- هذا الموقف أعاد إلى ذاكرتي حواراً تلفزيونياً جمع القدادي بالزميل تركي العجمة، أعلن فيه صراحة أنه لن يقبل أي شفاعة في قضية اتهمه فيها أحد الأشخاص بالتزوير، إلا إذا جاءت من شخصيات مكية محددة ذكر أسماءها بنفسه.


- بدافع الفضول، عدت إلى حسابه في منصة «إكس»، أبحث عن أي إشارة توحي بأن تلك الوساطة قد تمت، أو عن كلمات شكر وجهها إلى من اشترط تدخلهم، فلم أجد شيئاً.. وهنا بدأت الأسئلة تفرض نفسها بحثاً عن إجابة: هل لم تتم الوساطة أصلاً؟ وإذا تمت لماذا لم يوجه الشكر للشخصيات المكاوية التي أشار إليها بالاسم، أم أنه عدل عن موقفه وتنازل؟ أم أن القضية انتهت بطريقة أخرى؟ لا أملك جواباً، ولذلك أكتفي بطرح الأسئلة دون أن أستبق الإجابات أو أخوض في النوايا، وإن كان حديثه المرئي الأخير يبقي ذلك الاتهام تحت المجهر وبالذات أن من وجهه، إلى يومنا هذا لم يعتذر.


- هذا الموقف لم يكن وحده ما أثار انتباهي، فقد استحضرت أيضاً عدداً من اللقاءات الإعلامية والمقالات الصحفية التي تحدث فيها القدادي عن قضايا تاريخية تخص نادي الاتحاد، ثم قارنتها بأحاديث لاحقة، فوجدت اختلافات جوهرية في بعض الطروحات، لعل أبرزها ما يتعلق بعمادة نادي الاتحاد، وغيرها من المعلومات التاريخية التي سبق أن طرحها بصورة مغايرة.


- حقيقة لا أرى في مراجعة المعلومة عيباً، بل هي فضيلة إذا اقترنت بالاعتراف والتوضيح. أما أن تتبدل الروايات من غير تفسير، فذلك يفتح الباب أمام علامات استفهام مشروعة، ويمنح المتابع حق التساؤل عن أسباب هذا التغير؟!


- وعندما تجتمع هذه المواقف؛ موقف الوساطة، وموقف الشفاعة، وموقف الروايات التاريخية، فإنها ترسم صورة تستحق التأمل، لا لأنها تدين أحداً، وإنما لأنها تشخّص نمطية شخصيات أقوالها لا تطابق أفعالها، متقلبة الأطوار متناقضة في مواقفها.


- ولهذا حاولت أن أقرأ هذه المواقف بواقعية بعيداً عن الانفعال، وبحثت في بعض الدراسات التي تناولت التناقض بين الخطاب والممارسة، فوجدت أن أكثر ما يضعف صورة الإنسان أمام جمهوره ليس الخطأ في حد ذاته، وإنما غياب الاتساق بين ما يقوله وما يفعله. فالناس تتسامح مع الخطأ، لكنها نادراً ما تتسامح مع التناقض.


- وفي النهاية، يبقى ما كتبته مجرد قراءة شخصية تحتمل الصواب والخطأ، بينما تبقى الحقيقة الكاملة واضحة من منظور لا يختلف عليه اثنان «أن المصداقية تُبنى عبر سنوات، وقد تهتز بسبب مواقف متباينة لا تجد تفسيراً مقنعاً لدى أقرب الناس إليك فما بالك بالمتابعين».