في صباح يوم 5 يونيو 1984م، وقع اشتباك جوي فوق الخليج العربي وبالقرب من الشواطئ السعودية الشرقية، بين القوات الجوية الملكية السعودية وسلاح الجو الإيراني، جاء الحدث نتيجة لقيام طائرات إيرانية بالاقتراب من الأجواء السعودية ومن مناطق مدنية وصناعية، استنفر سلاح الجو السعودي واشتبك معها بكفاءة عالية وانتهت المعركة بإسقاط عدة طائرات إيرانية.

لم تكن المعركة هي ما يحصل في الجو بين قوات عسكرية، بل المعركة الأهم هي كيفية إدارة النجاح، وكيف تنتصر دون أن تشعل حرباً كبرى، إنها المعادلة التي يبرع فيها السعوديون، وتقوم دائماً على احترام الخصوم وحصر الخلاف في حدوده الدنيا دون السماح بتمدده.

البيان السعودي الذي أعقب الحادثة كان ملفتاً جدّاً، حيث أعلن عن إسقاط طائرة إيرانية واحدة فقط، فهدف الرياض كان الردع وليس الدخول في حرب استنزاف طويلة. السؤال: هل كان لتلك الحادثة أن تتحوّل لحرب شاملة؟ نعم، فالمناخ بين الدولتين مهيأ، والعلاقات ليست في أحسن أحوالها، كما أن الاضطراب السياسي والأمني في الإقليم متفجّر، وعلى تخوم السعودية حربان كبيرتان مشتعلتان «الحرب العراقية الإيرانية والحرب الأفغانية السوفييتية»، والأهم أن الحالمين بدخول السعودية لدائرة الحروب فشلت أمنياتهم.

لقد فضّلت الرياض أن تكشف للإيرانيين قدرتها على الردع، دون أن تنجر لحرب أخرى تزيد المنطقة اشتعالاً وتفجراً.

في الحرب العراقية الإيرانية اتخذت الرياض موقفاً عروبياً بامتياز يساند البوابة الشرقية وينافح عنها، وفي الحرب الأفغانية أخذت أيضاً موقفاً إسلامياً مدافعاً عن حق الأفغان في تقرير مصيرهم تحت راية إسلامية لا شيوعية، لكن ذلك لم يغرها باتخاذ مواقف متهورة أو استعراضية، بل حرصت على إنهاء الحروب مع حفظ حقوق أشقائها.

اليوم وبعد أربعة عقود تقريباً من فشل دفع الرياض لحرب إقليمية كبرى، تتجدّد نفس المحاولات مع الحرب الإسرائيلية الأمريكية والإيرانية، لكن الموقف السعودي يبدو ثابتاً منطلقاً من نفس المبدأ وهو: «الردع مع الفهم الكامل لكلفة الحرب»، وكذلك إدراك عميق بأن النجاح الأكبر هو في الحفاظ على مكتسبات الدولة، مع إفشال الأمنيات التي تتفلت من بيانات وتصريحات بعض مسؤولي المنطقة والعالم من أصحاب الأجندات، الذين بنوا خطتهم على محاولة توريط الرياض، لتتحوّل لدولة فاشلة في حرب استنزاف طويلة مكلفة تأكل الأخضر واليابس، لا تحصد فيها الدولتان إلا الضغائن والضحايا والجروح التي لا تندمل، فضلاً عن استنزاف اقتصادي لا يمكن إصلاحه.

نعم تستطيع السعودية أن تطلق مجموعة من التصاريح النارية ضد إيران، كما بإمكانها حشد الرأي العام وتسويق نفسها (صوتياً)، وهي قادرة على أن ترسل صواريخها وطائراتها، لكن الجميع يدرك أن ذلك سيتحوّل إلى حرب شاملة، فالحرب بين الكبار ليست كما الحرب مع الصغار.

لكن قبل ذلك دعونا نستذكر أن السعوديين هم مِن أوائل مَن واجهوا إيران وردعوها – في الخليج - دون أن يحولوها لحرب شاملة، الذين يعرفون أنهم خصوم ترتجى حربهم، ويدركون أيضاً كيف يدافعون عن أنفسهم وكيف يسيطرون على غضبهم، فالحرب ليست نزهة، وليست استعراضات صوتية، ولا أغاني حماسية، إنها دماءٌ تسيل، وأموالٌ تُهدر، واقتصادٌ يذبل، وجراحٌ لن تندمل.