في عام 2017 أطلق وزير الصحة السابق الدكتور توفيق الربيعة أحد أهم الخدمات الصحية التي تلامس حاجة المواطن والمستفيد، وهي مركز خدمات 937 المعني باستقبال طلبات وشكاوى المستفيدين، مستنداً على خبرته السابقة كوزير للتجارة ومسؤول عن جمعية حماية المستهلك قبل ذلك، بتلك الآلية تستطيع الجهات المختصة بحث وتحليل الشكوى والملاحظات بشكل ممنهج ومناسب يساهم في تطوير جودة الخدمة وإشعار المستفيد بأهمية دوره، وحيث إن أحد أهم آليات قياس جودة الخدمات تتمثل في معرفة صوت المستهلك.

في المقابل، فإن توفير آلية ميسّرة للشكاوى تزامن مع انتشار تلك الثقافة، والتي تأتي بثمن آخر على حساب تطور القطاع، كما أنها تعزّزت بزعزعة الثقة بالكادر الصحي بالآونة الأخيرة (انظر مقالاتي السابقة بعنوان: التسوق الطبي، العلاج بالخارج)، إضافة إلى مشاركة بعض المجتهدين من المجتمع في تهويل المخرجات الطبية التي يتعرّض لها المراجع أو المريض على أنها خطأ طبي حتمي.

ونظراً لانتشار تلك الظواهر فإن النتيجة هي اتخاذ الكثير من الكوادر الطبية المتخصصة رد فعل يحتّم عليهم التحفظ وعدم أخذ المخاطر في إجراء عمليات متقدّمة أو معقدة -بالرغم من كفاءتهم ومقدرتهم- وفي المقابل ضعف بيئة الابتكار الصحية نظراً للخوف من الشكاوى -وليس المضاعفات المتوقعة- بدلاً من الخوف من عدم التقدّم الطبي والعلمي. ومن آثار ذلك بروز إبداعات أبناء الوطن في بيئات خارجية تعزّز من دور العلم وإقناع المراجعين بأثر البحث العلمي والابتكار الممنهج.

ولا شك أن هناك خلطاً كبيراً ما بين ثلاثة أمور: 1- مضاعفات المرض، 2- مضاعفات العلاج أو الإجراءات الطبية، 3- الخطأ الطبي.

ففي الأول: قد يعاني المصاب من حالة طبية يصاحبها بعض المضاعفات إما لطبيعتها المرضية المتقدمة التي قدّرها الله، أو تأخر ظهور الأعراض، أو تأخر المراجع في طلب الخدمة، فيقوم البعض -وهم قلة ولله الحمد- باتهام الكادر الصحي بالإهمال والتسبّب في انتكاس الحالة، وهنا أؤكد دور الرضا بقضاء الله وقدره، ومصاحبة ذلك بسرعة الكشف لدى القنوات الطبية بتسلسلها الصحيح، كما أود تأكيد دور التواصل الشفاف من قبل الطبيب بطريقة مهنية وإنسانية مناسبة دون الوقوع في فخ الوعود الإيجابية المزيفة.

وفي المفهوم الثاني: وهو أنه من الضروري على الطبيب توضيح المضاعفات المتوقعة بشفافية وآلية التعامل معها في حال حدوثها، إضافة إلى توثيق ذلك كتابياً وفي حضرة شهود، مع إعطاء المراجع المساحة الكافية للأسئلة عن العلاجات والإجراءات. وإيضاح البدائل وجميع الخيارات المتاحة إن وجدت، مع أهمية إشراك المراجع في قرار العلاج، حيث إن مفهوم العلاج الصحيح لا يعتمد على قرار المعالج فقط، إنما هو قرار مشترك يتم بموافقة المستفيد واقتناعه -إلا في حالات محدودة ولها تنظيم مختص.

الأمر الثالث: وهو الأخطاء الطبية، وهنا يطول الشرح، إلا أنها تقع حينما يحصل تقصير أو إهمال حقيقي، أو التعامل مع أمر خارج نطاق معرفة الطبيب وتخصصه.

وهنا أود التأكيد على أن أكبر مسبّبات اللبس بين الأنواع الثلاثة هو سوء التواصل ما بين الكادر الصحي والمستفيد، فتنمية مهارات التواصل الفعّال بين الطرفين بشفافية ومهنية مطلقة هي غاية قصوى. كما أنه على المراقب الموازنة في آلية التعامل مع الشكاوى بما يضمن حق الطرفين، بالإضافة إلى الإجراءات المذكورة في مقالي السابق والتي من شأنها عودة الثقة في الكادر الصحي إلى مكانها، ودفع روح التجارب السريرية والابتكارات المصاحبة بتواصل فعال للمستفيدين لبناء مستقبل طبي منتج لا مستهلك للعلم.