يحكم ويتحكم في الكائن البشري دوائر تحيط به يصعب كسرها أو سبر أغوارها، بدءًا من (عاطفة) تديرها مشاعر، وتستثيرها استفزازات تتمثل في جينات، وتعاليم دين، وتربية، وظروف ومعاناة، وأحداث، ويقابل العاطفة (عقل) فطري، ومكتسب بالوعي والخبرات وتجارب الحياة ومنه العقل الأخلاقي المُؤسس على قِيَم وتعليم وقراءة وأدب وإيمان بالحقوق والواجبات، وهناك دائرة ثالثة تمثلها (المؤسسة) التي هي نظام أو عُرف أو قانون مرجعيته اجتماعية أو سياسية، وربما يكون المجتمع الدائرة الرابعة؛ الذي يُحتّم الإذعان لسلطته، ويُراعى فيه السِّلم والتعايش.
ولبعض المهن، والوظائف؛ والاهتمامات؛ مرجعيات تحكمها، وإن لم تتحكم بإطلاق في المنتمين إليها؛ إلا أنها مظلة يمكن الرجوع إليها والاحتكام لأدبياتها؛ ومن المرجعيات ما هو قابل للتطوير والتحديث وإن ببطء، فيما يتخفف من كل ذلك من يرون أنفسهم مستقلين؛ (مرجعياتهم) قناعاتهم وأقنعتهم؛ وربما لا يحتكم إلى يقينياتهم إلا هم؛ وهذا يمكن تفهمه؛ إذ إن هوى نفوس البشر (انزياحي) وميال ومتقلّب؛ بل متحوّل بمعدلات قياسية؛ فما يُقبل عليه ويستميت لأجله شخص ما اليوم، يمكن أن يبغضه وينفر منه غداً، والعكس.
وبحكم عشقي لكرة القدم، وافتتاني بحشود الجماهير في الملعب؛ أكثر من فنيّة اللعب؛ لاحظتُ أن بين الإعلامي والمشجع تقاطعاً؛ منها الانتماء للمهنة والاهتمام أو الهوايات، مع أن لكل طريقته في التعبير عن انتمائه، ويمكن لهما تبادل المواقع، وإن كانت مساحة استيعاب نقد المُشجع (الملعب) والمستهدف (لاعب)؛ ومساحة نقد الإعلامي (صفحة) أو (منصة) أو (زاوية تضيق وتنفرج)، والذي يتعامل معه الإعلامي جاد وما يلعب، وإن امتلك مهارة لا يمتلكها أذكى اللاعبين.
وفي المُدرّج يتفاعل المشجع، وربما ينفعل ويتأزم، وتفلت أعصابه، وربما يحتك بغيره؛ أو لا تحتمل صحته؛ فيتدخل الأمنيون لمحاسبته؛ أو المُسعفون لإنقاذه؛ بينما في أدراج الإعلامي؛ أوراق وقصاصات، وفي جواله أفكار وعناوين؛ ويُمكن استثارته؛ فينفعل أو يتفاعل أو يتفعّل، فيقع ومن ورائه مؤسسته التي هي مرجعية يستحيل تجاوزها، وإن أمكن التحايل عليها باللعب على الكلمات، أو تفسير الفضفاض من التعبيرات.
وكل مساء، أجدني اندمج فيه بشاشة؛ لمتابعة مباريات كأس العالم؛ تأخذني الهواجس بسبب موقف أو منظر؛ إلى أبعد من الملعب واللاعبين والجماهير؛ وأتخيل لو كنا في كوكب لا يقيم للعقل وزنا، أو أننا نسكن عالماً عاقلاً لا مجال فيه للهزل والساخر؛ والجنون؛ ولا احترام به لعقلاء المجانين؛ أو مجانين العقلاء، فكيف ستكون الحياة؛ التي هي مزيج من نواة وذرات وجزيئات (ورببوسامات وكروماتينات) ولبعضها طفرات ولها مثبطات؛ وفي أمثالنا الشعبية (قوم بلا جهال تغدي مذلّة، وقوم بلا عقال تؤخذ حقوقها)، ومن الممكن، أن تجد أحياناً (مجنوناً) في ذروة إنسانية الإنسان؛ وترى بعض الأحيان (عاقلاً) في حضيض صبيانية النزق المراهق!!.
ولعل ما يمكن أن تتقبله مدرجات الميول من (مثالب) يُرفض تماماً في ميدان مهنة (المتاعب) ولا تتغاضى عنه أعين الرقيب والمُحتسب والمُحاسب؛ ومن حشود الملاعب، مثقفون يتجاوزون بعض الإعلاميين فيعلو؛ ومن الإعلاميين من ينسى الفارق بينه وبين المشجع المتعصب أو العنصري فيهبط، فالتشجيع العاطفي، والكتابة المُفرطة في ذاتيتها؛ كلاهما يُعمي عن احترام الخصم، وإن كان نِدّاً مُحترماً، وأحياناً يكون خيال (المُشجع) مُشبعاً بأوهام وأساطير ودجل، فينفلت ويتمرد، ومن يستثمره لا يعلم شيئاً عن خِلّة أو عِلّة.
وغالباً لا يطلب رئيس فريق؛ من مشجع أن يُفرِط في تعصّبه؛ وإن تعصّب من نفسه؛ لا يبالي الرئيس واللاعبون وبقية الجمهور بمصيره؛ وإن تعاطفوا مع حالته؛ وفي مدرجات كرة القدم جمهور يطربه اللعب النظيف، وإن من الفريق المنافس، وهذا من الموضوعية التي لا تقدح في صدق الانتماء؛ وهناك مشجع بارد جداً؛ لا تعنيه النتائج؛ وهناك مشجع يتصوّر أنه أقدر من المُدرّب؛ وأمهر من اللاعبين؛ وأنصح من إداري؛ وربما يتجاوز حدود الأخلاق، بتطاوله؛ على لاعب أو إدارة أو مدرّب أو حكم، وكل ذلك بداعي العشق (الذي منه ما قتل).
لربما قال قائل لا وجه للمقارنة بين حشود الملاعب وبين جنود مهنة المتاعب، باعتبار أن المُشجع شعبوي، والإعلامي نخبويّ؛ وللقائل الحق فيما يقول؛ إلا أن الكاتب عندما تسوط دماغه فكرته يحاول المقاربة بين أكثر من نموذج؛ لتحرير الفكرة وتمريرها، ولم يعد يغب عن الذهن والذاكرة حجم الخسائر التي تكبدتها شعوب تمّت استثارتها بعاطفة دينية أو أيديولوجية أو سياسية؛ وكم من حزبيين دفعوا بأبرياء إلى الجحيم، وهم يُنظّرون من سكنى مرفهة ومراكب فارهة؛ وهناك مجتمعات راقية؛ لم يحل وعيها بينها وبين الاستجابة للنازيّة والفاشيّة والإسلاموية؛ ولا عزاء لجماهير دفعهم العشق المجنون إلى العنف أو الانتقام أو المجون.
تلويحة:
ترويض النمور والغول، أسهل من ترويض العقول والميول، وتضخّم الأنا يُصيب بالعمى.


