شهدت الساعات الماضية توغلاً برياً جديداً لجيش الاحتلال الإسرائيلي في الريف الغربي لمدينة درعا، في سياق ضغط عسكري يومي لم يعد حادثاً منفصلاً أو خرقاً عابراً، بل تحوّل إلى نمط متكرر يستهدف مناطق الريف الغربي لمحافظتَي درعا والقنيطرة، من خلال المداهمات والاعتقالات التعسفية ثم الإفراج عن بعض المعتقلين دون أسباب واضحة أو تهم معلنة أو مسار قانوني مفهوم. هذا السلوك لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لفرض وقائع ميدانية على الجنوب السوري، وإبقاء السكان تحت ضغط الخوف والقلق، وكأن المطلوب هو كسر الإحساس بالأمان وإنتاج حالة استفزاز دائمة تدفع الناس أو الدولة إلى رد فعل غير محسوب. فالواضح أن الاحتلال الإسرائيلي، عبر هذه الانتهاكات اليومية واستهداف المدنيين والأبرياء، يسعى إلى جر سوريا إلى مواجهة عسكرية شاملة في توقيت لا تبدو فيه الدولة السورية مستعدة لفتح جبهة جديدة، خصوصاً في ظل مرحلة انتقالية دقيقة وأزمات إقليمية متشابكة تمتد من غزة إلى لبنان والعراق والملف الإيراني. الإدارة السورية الجديدة تدرك، على ما يبدو، طبيعة هذا الفخ، ولذلك تحاول تجنّب الانزلاق إلى حرب واسعة قبل استعادة الحد الأدنى من القدرة على إعادة بناء الدولة ومؤسساتها وأجهزتها الأمنية والعسكرية. غير أن هذا التصعيد لا يأتي من فراغ، بل يتزامن مع استمرار الانتهاكات في قطاع غزة ومع شعور حكومة بنيامين نتنياهو بأنها تخسر سياسياً في أكثر من ساحة، خاصة بعد التطورات الأخيرة في المنطقة، ومنها توقيع مذكرات التفاهم وبدء مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية في جنيف، بما يعني أن الهروب إلى الأمام عسكرياً قد يكون تعويضاً عن خسائر سياسية وإقليمية لا تستطيع تل أبيب الاعتراف بها علناً. وفي المقابل، تبدو محاولات التهدئة التي تقوم بها أطراف إقليمية ودولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، عاجزة عن إلزام الاحتلال بحدود القانون الدولي، إذ تقابل هذه الجهود بآذان صمّاء وبسلوك أقرب إلى حكومة مارقة تتعامل مع العدوان المجاني بوصفه حقاً دائماً لا يحتاج إلى تبرير ولا يخشى رادعاً. لكن المشكلة أن الصبر ليس بلا حدود، وأن اعتقاد الاحتلال الإسرائيلي بأن يده مطلقة في سوريا قد يتحوّل إلى وهم خطير. فالإدارة السورية قد ترغب في التهدئة والوصول إلى اتفاق أمني يمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب البيت الداخلي، لكن استمرار الاعتقالات والتوغلات والإهانات اليومية قد يدفع الشارع، ولا سيما الفتية والشباب في الجنوب، إلى مرحلة يصعب ضبطها. وعندها قد لا تبقى الجبهة هادئة، بل قد تنفتح خلال الأسابيع القادمة على مواجهات شعبية وسياسية وربما عسكرية أكثر حدة، في إطار حق مشروع بحماية الأرض والناس، وضمن منطق القانون الدولي الذي لا يمنح أي قوة احتلال حق تحويل السيادة السورية إلى ساحة مفتوحة للعدوان. إن رفض الغطرسة الإسرائيلية لم يعد موقفاً سورياً فحسب، بل ضرورة إقليمية؛ لأن تكريس العدوان بلا ثمن يعني فتح الباب أمام فوضى أوسع لا تقف عند حدود سوريا. وما يجري في الجنوب السوري هو رسالة خطرة إلى المنطقة برمتها: إذا تُركت القوة وحدها ترسم الحدود وتقرر مصائر الشعوب، فلن يبقى في الشرق الأوسط أمنٌ لأحد.