في مدننا الحارة.. لا تبدو الشمس مجرد حالة طقس عابرة..

بل جزء يومي من تفاصيل الحياة التي يواجهها الناس بصبر طويل.

ولهذا لم تكن مظلات السيارات التي انتشرت أمام بعض المنازل مجرد قطعة حديد أو قماش..

بل محاولة بسيطة لاحتمال هذا الصيف الممتد.

ومنذ سنوات تتكرر حملات إزالة المظلات في بعض الأحياء تحت مبررات التنظيم وتحسين المشهد الحضري.. وهي أهداف محترمة لا يختلف عليها اثنان.. لكن السؤال الذي يعود مع كل حملة:

كيف يمكن أن يكون القرار نظامياً وإنسانياً في نفس الوقت؟

المواطن البسيط لا يحارب البلدية..

ولا يرفض التنظيم..

ولا يريد تشويه المدينة التي يحبها..

كل ما يريده أن يقي نفسه وأطفاله من لهيب الشمس القاسي.. وأن يحمي سيارته من الحرارة التي تلتهم كل شيء داخلها مع الوقت.

وربما لا يشعر كثيرون بحجم المعاناة لأنهم ببساطة لا يعيشونها.

.. قد لا يتخيل ماذا يعني أن تترك سيارتك ساعات طويلة تحت شمس الظهيرة ثم تدخلها وكأنك تواجه موجة نار محبوسة خلف الزجاج.

هنا لا نتحدث عن رفاهية..

بل عن الموظف.. والمعلم.. والمتقاعد.. والأرملة.. ورب الأسرة الذي يعود بأطفاله من المدارس أو الجامعات أو المستشفيات أو المكاتب في عز الصيف.

تخيلوا فقط تلك اللحظة:

طفل يفتح باب السيارة في ظهيرة يوم حار.. فيرتد سريعاً من لفح الحرارة.

أمٌ تحاول أن تُجلس أبناءها على مقاعد تكاد تحرق أجسادهم.

رجل يضع يده على المقود فيسحبها من شدة السخونة.

هواء مشتعل يندفع من فتحات التكييف قبل أن يبدأ التبريد بعد دقائق طويلة.

وليست لحظة عابرة ثم تُنسى..

بل معاناة تتكرر كل يوم.. مع كل خروج.. ومع كل عودة.

تتشقق بعض الأجزاء داخل السيارة مع الوقت..

وتذوب أشياء كثيرة تحت الحرارة القاسية..

ويتحوّل الوقوف دقائق داخل السيارة إلى اختبار صبر يومي يعرفه كل من عاش الصيف الحقيقي في هذه البلاد.

ولذلك يشعر بعض الناس أن إزالة المظلات لم تمس الحديد فقط.. بل مسّت شيئاً من رحمتهم البسيطة بالحياة.

لا أحد يرفض التنظيم..

لكن الناس تسأل: لماذا لا يكون التنظيم رحيماً أيضاً؟

المظلات ليست مشكلة مستحيلة الحل.

يمكن تنظيم أشكالها..

وتوحيد ألوانها..

وفرض اشتراطات جمالية عليها..

بل وحتى تحديد خاماتها ومواقعها وارتفاعاتها.

قولوا للناس اجعلوها بلون موحد..

أو بخامة محددة..

أو بتصميم معين..

اطلبوا ما تشاؤون لتحسين المشهد الحضري..

لكن لا تتركوا المواطن وحيداً في مواجهة الشمس.

فالقرار الجميل ليس فقط ذلك الذي يبدو صارماً على الورق.. بل الذي يشعر الناس بعده أن أحداً اقترب من تعبهم اليومي وفهمه.

فالإنسان.. مهما اتسعت المدن من حوله.. سيظل يبحث عن شيء بسيط جداً: فقط قليل من الظل.