لا يمكن فهم ظاهرة محمد شحرور من خلال قراءة كتبه أو متابعة أطروحاته فقط، بل من خلال دراسة الثقافة التي نشأت حوله، تلك الثقافة التي أنتجت جيلاً من المدافعين عنه أكثر تشدداً في شحروريتهم من محمد شحرور نفسه.

ففي كثير من الأحيان تموت الفكرة ويبقى أتباعها، ويصبح التابع أكثر تطرفاً من المتبوع، وأكثر حماسة للدفاع عن أطروحاته من صاحب الأطروحة ذاتها، وهذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ الفكري، لكنها تتجلى بوضوح في الحالة الشحرورية المعاصرة.

إن ما يمكن تسميته بـ«ثقافة الشحروريين» لا يتمثّل فقط في تبني بعض الآراء الفقهية أو التفسيرات القرآنية التي طرحها محمد شحرور، بل في تبني منهج كامل في النظر إلى الدين والتراث والنصوص الشرعية، وهو منهج يقوم على افتراض ضمني مفاده أن الأمة الإسلامية طوال قرونها المتعاقبة كانت عاجزة عن فهم دينها الفهم الصحيح، حتى جاء شحرور ليكتشف ما غاب عن الصحابة والتابعين والأئمة والمفسرين والفقهاء عبر التاريخ. وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.

فالثقافة الشحرورية لا تنظر إلى التراث الإسلامي بوصفه جهداً بشرياً قابلاً للنقد والمراجعة فحسب، بل تتعامل معه في كثير من الأحيان باعتباره عبئاً يجب التخلص منه، وعائقاً يمنع الوصول إلى فهم جديد للدين يتوافق مع القيم الفكرية السائدة في العصر الحديث.

ومن هنا نشأ الصدام الدائم بين الشحروريين ومفهوم المرجعية العلمية في الإسلام.

فالمدارس الإسلامية المختلفة عبر التاريخ كانت تختلف في الفروع، لكنها كانت تتفق على أصول المنهج، من الاحتجاج بالقرآن الكريم، والاحتجاج بالسنة النبوية، والاعتداد بفهم الصحابة، واحترام الإجماع، والاستفادة من تراكم الخبرة العلمية للأمة.

أما الثقافة الشحرورية، فتتعامل مع هذه المنظومة كلها بوصفها قابلة للتجاوز متى تعارضت مع القراءة الجديدة التي يقترحها صاحب الفكرة.

ولهذا لم يكن غريباً أن يتحول الجدل عند بعض الشحروريين من نقاش علمي إلى حالة من التمرد الدائم على كل ما هو مستقر في الوعي الإسلامي، فالسنّة النبوية تصبح موضع تشكيك، والإجماع يصبح مجرد رأي تاريخي، وفهم السلف يصبح مرحلة زمنية تجاوزها الواقع، والأحكام الشرعية المستقرة تصبح قابلة لإعادة الصياغة كلما تغيرت الظروف الاجتماعية أو القيم الثقافية السائدة.

وهنا يظهر السؤال الجوهري:

إذا كانت معايير فهم النص تتغيّر كلما تغيّر العصر، فما الذي يبقى ثابتاً من الدين؟

إن المشكلة في هذا التصور أنه ينقل مركز الثقل من النص إلى الإنسان، ومن الوحي إلى الواقع، ومن المرجعية الشرعية إلى المرجعية الثقافية.

فتصبح القيم السائدة بين الناس هي التي تحدّد معنى النص، بدلاً من أن يكون النص هو الذي يصحح القيم ويقوّم الانحرافات البشرية.

ولهذا يرى كثير من منتقدي الفكر الشحروري أن الخطر لا يكمن في نتيجة معينة توصل إليها شحرور، بل في المنهج الذي قاده إلى تلك النتائج.

فالنتائج قد تختلف من شخص إلى آخر، أما المنهج إذا فُتح بلا ضوابط فإنه يفتح الباب أمام عدد لا نهائي من التأويلات المتناقضة.

وعندما تصبح النصوص الدينية قابلة لإعادة التفسير وفق الرغبات الفكرية السائدة، يتحوّل الدين من مرجعية حاكمة إلى مادة قابلة لإعادة التشكيل المستمر.

ومن الملامح اللافتة في ثقافة الشحروريين أيضاً حالة التعالي المعرفي التي تظهر أحياناً في خطاب بعضهم. فمن يخالفهم يُتهم بالجمود، ومن يتمسك بالتراث يُوصف بأنه أسير الماضي، ومن يدافع عن فهم السلف يُصنف بوصفه عدواً للتجديد. وكأن الساحة الفكرية لا تحتمل إلا خيارين لا ثالث لهما: إما القبول بالمشروع الشحروري، أو الانتماء إلى معسكر التخلّف.

وهذه الثنائية المصطنعة لا تساعد على إنتاج حوار علمي حقيقي، بل تؤدي إلى مزيد من الاستقطاب الفكري.

واللافت أيضاً أن كثيراً من الشحروريين يرفعون شعار تحرير العقل، لكنهم يمارسون نوعاً آخر من الوصاية الفكرية، إذ يتحول شحرور نفسه إلى مرجعية شبه مقدسة لا يجوز الاقتراب منها أو نقدها.

فتجد من يرفض سلطة الفقهاء جميعاً، لكنه يقبل سلطة شحرور دون تردد.

ويرفض الاحتجاج بأقوال العلماء المتخصصين، لكنه يتعامل مع اجتهادات شحرور باعتبارها اكتشافات فكرية لا تقبل المراجعة.

وهنا تتحوّل الدعوة إلى التحرر من التقليد إلى شكل جديد من أشكال التقليد.

إن التجديد الحقيقي في الإسلام لا يعني هدم الأصول، ولا القطيعة مع التراث، ولا تحويل النصوص إلى مادة مرنة تتشكل وفق متغيرات العصر.

التجديد الحقيقي هو إحياء المعاني الصحيحة، وتنزيل الأحكام على الوقائع الجديدة، والاستفادة من أدوات العصر دون المساس بالثوابت التي قام عليها الدين.

أما تحويل القرآن إلى نص تابع للثقافة السائدة، وجعل الواقع حكماً على الوحي بدلاً من أن يكون الوحي حكماً على الواقع، فذلك ليس تجديداً، بل إعادة تشكيل للدين وفق معايير بشرية متغيرة.

كما أن الملاحَظ في الخطاب الشحروري أن كثيراً من الأسئلة تُطرح باعتبارها دليلاً على العمق الفكري، بينما لا يُمنح التراث الإسلامي فرصة عادلة للإجابة عنها، فيُقدَّم السؤال وكأنه حجة قائمة بذاتها، ثم يُصوَّر الجواب التراثي على أنه عجز أو هروب، بينما تُقدَّم إجابات شحرور باعتبارها الاكتشاف الوحيد الممكن، وهكذا تتحوّل ثقافة التساؤل من أداة بحث عن الحقيقة إلى أداة تشكيك في كل ما هو مستقر.

ولعل أخطر ما في الثقافة الشحرورية أنها لا تكتفي بمراجعة الاجتهادات البشرية، بل تنتهي عملياً إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والوحي، فبدلاً من أن يكون القرآن مرجعاً يوجّه الإنسان، يصبح الإنسان هو المرجع الذي يعيد توجيه فهم القرآن بحسب ما يراه مناسباً لزمانه وقيمه وظروفه.

وعند هذه النقطة يصبح الخلاف أعمق من مجرد اختلاف فقهي أو اجتهاد فكري؛ لأنه يتحوّل إلى خلاف حول مصدر المرجعية نفسه: هل المرجعية النهائية للنص أم للواقع؟ هل يُقاس الواقع بالوحي أم يُعاد تفسير الوحي وفق الواقع؟

ولهذا فإن قضية الشحرورية ليست قضية خلاف مع شخص بعينه، بل هي خلاف مع منهج يرى منتقدوه أنه يفتح الباب أمام تسييل الثوابت، وإضعاف المرجعيات العلمية، وإعادة إنتاج الإسلام بصورة مختلفة عن الصورة التي عرفتها الأمة عبر تاريخها.

ومن هنا، فإن الحديث عن ثقافة الشحروريين هو في جوهره حديث عن صراع بين منهجين: منهج يجعل النص الشرعي مرجعاً لتقويم الواقع، ومنهج يجعل الواقع مرجعاً لإعادة تفسير النص، وبين هذين المنهجين تتحدد طبيعة المعركة الفكرية التي ما زالت مستمرة حتى اليوم.