أظهرت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران حجم التحديات التي تواجهها إيران، إذ تعرّضت العديد من المنشآت والبنى التحتية والقطاعات العسكرية الإيرانية لضربات مؤثرة تركت آثاراً سلبية واضحة عليها على العديد من الأصعدة، ورغم محاولات طهران التقليل من حجم الخسائر أو إنكار بعض تداعياتها، فإن حجم الاستهداف وطبيعته يوحيان بأن ما تعرّضت له البلاد كان مؤلماً ولاسيما على المستويين العسكري والاقتصادي.

وبالنظر إلى واقع إيران منذ وصول نظام الخميني إلى السلطة عام 1979، يلاحظ أن أولويات النظام لم تتمحور يوماً حول متطلبات التنمية الداخلية وتحسين مستوى معيشة المواطن الإيراني، فعلى مدى عقود طويلة انخرطت طهران في صراعات إقليمية استنزفت موارد هائلة كان يمكن توجيهها نحو التنمية الاقتصادية، مما أدى إلى تراكم الكثير من الأزمات على العديد من الأصعدة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين فيها، فقد كشف الواقع الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة عن مؤشرات خطيرة تمثلت في التضخم المرتفع وتراجع القوة الشرائية وانتشار البطالة وتباطؤ النمو الاقتصادي، مما نتج عنه حالة من التذمر الشعبي التي تجسّدت في موجات متتالية من الاحتجاجات والمظاهرات الدامية في كافة ربوع إيران.

في المقابل نجحت دول الخليج العربية في تحقيق قفزات تنموية لافتة، مستفيدة من استقرارها السياسي ورؤاها الاقتصادية الطموحة واستثماراتها الضخمة في الإنسان والبنية التحتية والتكنولوجيا، وهو ما انعكس على مستوى معيشة ورفاهية مواطنيها، مما حولها إلى نماذج تنموية رائدة في المنطقة، ولهذا يرى بعض المحللين أن إيران تنظر بقلق إلى هذه النجاحات الخليجية في ظل الفجوة المتزايدة بين الواقع الاقتصادي الإيراني ومستويات التنمية التي تحقّقها دول الخليج، ولهذا نجدها تستهدف باستماتة البنى التحتية والمنشآت الحيوية في بعض دول الخليج، على الرغم من أنها لم تكن طرفاً في المواجهات العسكرية بينها وبين الولايات المتحدة، في محاولة منها لإرباك مسيرتها التنموية والتأثير عليها بالسلب.

يعتقد بعض المراقبين أن طهران تسعى إلى استدراج دول الخليج إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ما يمنحها مبررات سياسية وإعلامية لتوسيع دائرة التصعيد وتحويل الأنظار عن أزماتها الداخلية، ويبدو أن حسابات طهران لا تقتصر على حجم الخسائر التي قد تتعرّض لها البلاد جرّاء أي تصعيد إضافي، بل تتجاوز ذلك إلى اعتبارات سياسية وأيديولوجية ترى في استمرار المواجهة وسيلة لتحقيق أهداف أوسع.

غير أن دول الخليج تتبع نهجاً يتّسم بضبط النفس إدراكاً منها بأن الرد العسكري قد يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع، وقد يمنح إيران فرصة لكسب تعاطف البعض، فدول الخليج تضع نصب عينيها الحفاظ على مكتسباتها التنموية والاقتصادية، والتي لا تقل أهمية عن حماية أمنها الوطني، فهذه المكتسبات تمثل ثمرة عقود من العمل والاستثمار والتخطيط، ولا يمكن بأي حال التفريط فيها بسهولة جراء الانجرار المتهور للاستفزازات الإيرانية.

ولعل أحد الأسباب المهمة وراء عدم انجرار دول الخليج للاستفزازات الإيرانية هو إدراكها أن الاستقرار في منطقة الخليج لا ينعكس على الأمن الإقليمي للمنطقة فحسب، بل يعد عاملاً مهماً لاستقرار الاقتصاد العالمي بأسره، نظراً لما تمثله المنطقة من أهمية في أسواق الطاقة والتجارة الدولية، ولذلك فإن أي محاولات لاستهداف المنشآت الحيوية أو تهديد الممرات البحرية أو زعزعة الأمن الإقليمي لا تنعكس آثارها على دول المنطقة وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، ومن هنا فإن الرهان على إضعاف دول الخليج أو تعطيل مسيرتها التنموية يبدو رهاناً خاسراً على المدى البعيد.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن دول الخليج تمتلك القدرة على تجاوز الأزمات والتعامل مع التحديات بكفاءة عالية، سواء كانت تحديات اقتصادية أو أمنية أو سياسية بسبب اعتمادها على المنهج العلمي في إدارة مواردها والاستثمار في كل ما يمكن أن يعزز من قدراتها في مواجهة التحديات سواء كانت داخلية أم خارجية، فلطالما أثبتت كافة الوقائع التاريخية أن دول الخليج تفضل الحلول الدبلوماسية والحوار وتتجنب الصراع والمواجهات بكافة صورها ودرجاتها، مما ساهم في تعزيز صورتها كشريك مسؤول يسعى إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي ويركز على صناعة المستقبل وحماية المكتسبات التنموية.