سعدت بحضور لقاء رئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع المهندس خالد السالم، الذي تحدث فيه عن الدور الريادي للهيئة في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030. وكان من أجمل ما طُرح في اللقاء استعراض قصة التميّز التي صنعتها مدن الهيئة الملكية، وكيف تحوّل شعار «صناعة وحياة» إلى واقع نراه ونلمسه اليوم.

وأنا أستمع للنقاش، وجدت نفسي أفكر في السر الذي جعل هذه التجربة الوطنية الإدارية للهيئة الملكية للجبيل وينبع تحافظ على نجاحها وتتطور لعقود طويلة. فالمشروعات الكبرى قد تبدأ بقوة، لكن المحافظة على نجاحها واستمرار أثرها هي التحدي الحقيقي. وهنا تحديداً أرى أن الاستدامة تمثل أحد أهم أسرار النجاح الإداري للهيئة الملكية.

فالاستدامة ليست مجرد مفهوم تنظيمي أو مصطلح متداول، بل طريقة تفكير تنظر إلى المستقبل بقدر ما تهتم بالحاضر. وهذا ما نجحت الهيئة الملكية في ترسيخه منذ تأسيسها، فلم تكتفِ ببناء مدن صناعية تحقق أرقاماً اقتصادية نفخر بها، بل عملت على بناء مدن متكاملة قادرة على النمو والاستمرار، وجاذبة للإنسان والاستثمار في الوقت نفسه.

ومن هنا تظهر العلاقة العميقة بين شعار «صناعة وحياة» ومفهوم الاستدامة؛ فالصناعة وحدها قد تحقق النمو الاقتصادي، لكنها لا تصنع مدينة مستدامة، والحياة وحدها تحتاج إلى اقتصاد قوي يوفر الفرص ويدعم التنمية. أما الجمع بينهما فهو المعادلة التي تحقق التوازن وتضمن الاستمرار.

فعندما توفر المدينة فرص العمل والصناعة المتقدمة، وفي الوقت نفسه تقدم خدمات تعليمية وصحية وترفيهية عالية الجودة، فإنها تبني مجتمعاً قادراً على الاستقرار والنمو. وعندما توازن بين التوسع الصناعي والمحافظة على البيئة وجودة الحياة، فإنها تضمن استدامة التنمية للأجيال القادمة. وهذا بالضبط ما يعكسه شعار «صناعة وحياة» فهو ليس وصفاً لما يوجد في المدينة فحسب، بل رؤية متكاملة لكيفية بناء مستقبل مستدام.

ولعل ما يميز تجربة الهيئة الملكية أنها أدركت مبكراً أن الإنسان هو محور التنمية. فالمصانع والمنشآت والبنية التحتية عناصر مهمة، لكنها لا تحقق أهدافها كاملة إلا عندما تنعكس على حياة الناس وجودة معيشتهم. لذلك نجد أن النجاح الصناعي في مدن الهيئة يسير جنباً إلى جنب مع الاهتمام بالبيئة والخدمات والمرافق والمساحات الحضرية التي تجعل المدينة مكاناً جاذباً للعيش والعمل معاً.

وفي ظل رؤية السعودية 2030، تبدو هذه التجربة نموذجاً وطنياً يستحق التأمل، لأنها تقدم مثالاً عملياً على أن التنمية المستدامة لا تتحقق عبر مشروعات منفصلة، بل من خلال منظومة متكاملة تربط الاقتصاد بالإنسان، والاستثمار بجودة الحياة، والحاضر بالمستقبل.

ختاماً، أرى أن شعار «صناعة وحياة» ليس مجرد هوية للهيئة الملكية للجبيل وينبع، بل ترجمة حقيقية لمفهوم الاستدامة. فقد استطاعت الهيئة من خلاله أن تقدم نموذجاً تنموياً يؤكد أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما ننجزه اليوم فقط، بل بقدرتنا على الحفاظ على هذا الإنجاز وتطويره لعقود قادمة، بما يخدم الإنسان والمكان معاً.