عندما سقط جدار برلين، لم يسقط معه نظام سياسي فحسب، بل سقطت أيضاً فكرة كانت تحكم جزءاً كبيراً من القرن العشرين تتمثل في أن السياسة هي التي تحدد مصير الاقتصاد. خلال تلك الحقبة اتجه العالم نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها الحدود، وتنتصر فيها الأسواق، وتصبح التجارة اللغة المشتركة بين الدول. الواقع قدّم لنا شواهد كثيرة عزّزت الاعتقاد بأن هذا المسار أصبح أمراً لا جدل فيه. انتقلت المصانع إلى حيث العمالة الأرخص، وتحركت الاستثمارات إلى حيث العوائد الأعلى، وامتدت سلاسل الإمداد عبر القارات وكأن العالم تحوّل إلى مصنع واحد ضخم. كان المنطق السائد بسيطاً دع الأسواق تعمل، وستتكفل بتحقيق أفضل النتائج للجميع، لكن التاريخ كان نادراً ما يسير في خط مستقيم.

في السنوات الأخيرة، بدأ العالم يكتشف أن الكفاءة ليست كل شيء. جاءت جائحة كورونا لتكشف للعالم هشاشة نظام اقتصادي بُني على افتراض أن السلع والمواد والمنتجات ستظل تتحرك دائماً بحرية. فجأة توقفت المصانع، وتعطلت الموانئ، واختفت بعض المنتجات الأساسية من الأسواق. ولم يكن السؤال آنذاك من ينتج بأقل تكلفة؟ بل من يستطيع أن يضمن استمرار الإمدادات؟

ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتضيف درساً آخر أكثر قسوة. الدول التي بنت سياسات الطاقة على اعتبارات اقتصادية بحتة وجدت نفسها مضطرة لإعادة التفكير في أولوياتها. وأصبح أمن الطاقة قضية سياسية قبل أن يكون قضية اقتصادية. بعد ذلك، تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ليكشف أن أكثر القطاعات تقدّماً في العالم لم تعد تُدار فقط بمنطق السوق. الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتقدّمة تحوّلت من منتجات تجارية إلى أدوات نفوذ إستراتيجي. ولم تعد الدول تتنافس على بيع المنتجات فقط، بل على السيطرة على التكنولوجيا التي تصنع تلك المنتجات. هنا بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكّل. مرحلة لم تعد فيها الحكومات تسأل ما الخيار الأقل تكلفة؟ إنما أصبحت تسأل: ما الخيار الأقل خطراً؟ قد يبدو الفرق بين السؤالين بسيطاً، لكنه في الحقيقة يعكس تحوّلاً عميقاً في طريقة إدارة الاقتصاد العالمي.

عندما تكون الأولوية للكفاءة، تبحث الشركات عن أرخص العمالة وأسرع طرق الشحن وأقل التكاليف. أما عندما تكون الأولوية للأمن، فإن الحسابات تتغيّر بالكامل. تصبح المرونة أهم من السرعة، والاعتمادية أهم من السعر، والقدرة على الصمود أهم من تعظيم الأرباح. لهذا السبب نشهد اليوم عودة الحديث عن الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والأمن التقني، وأمن سلاسل الإمداد. هذه المصطلحات تعكس أهمية متزايدة أن الاقتصاد لا يعيش في عالم منفصل عن السياسة والجغرافيا والتاريخ.

لعل المفارقة الكبرى أن العالم الذي اعتقد يوماً أن العولمة ستجعل السياسة أقل تأثيراً في الاقتصاد، يجد نفسه اليوم أمام واقع مغاير تماماً. العقوبات الاقتصادية أصبحت سلاحاً سياسياً، والتكنولوجيا أصبحت أداة نفوذ، والممرات التجارية أصبحت أوراق قوة، وحتى القرارات الاستثمارية الكبرى باتت تتأثر بالاعتبارات الجيوسياسية بقدر تأثرها بالمؤشرات المالية. لهذا لم يعد من الممكن فهم الاقتصاد العالمي من خلال الأرقام وحدها، لأن معدلات النمو، وأسعار الفائدة، وحركة التجارة لم تعد تروي القصة كاملة. المؤكد أن خلف هذه الأرقام تقف اعتبارات تتعلق بالقوة والنفوذ والتحالفات والمصالح الإستراتيجية.