تجاوز مفهوم الهوية الرقمية للمستخدمين في شبكات التواصل الاجتماعي اسم المستخدم وكلمة المرور، وأصبح يعبّر في مفهومه الواسع ليشمل كافة البيانات، والسمات، والسلوكيات، والتفاعلات، والمحتوى الذي يُنشئه الفرد، حيث تشكّل هذه الهوية بهذا المفهوم الانطباع الأول عن الشخصية، والقدرة على التأثير الاجتماعي وبناء العلاقات، من خلال تسهيل التواصل مع الآخرين في الاهتمام والميول والتخصص والمجال العام المشترك.

ولكن أهم ما في موضوع الهوية الرقمية ما يتعلق بجانب تسويق الشخصية في المنصات، حيث بات واضحاً أن هناك ممارسات متعددة سواءً على مستوى تسويق الأفكار، أو الخدمات المقدمة، أو المنتجات المستخدمة في الحياة اليومية، وكل واحد منها له عالمه الخاص، ومجموعات الاهتمام التي لا يمكن التقليل منها.

أتوقف عند تسويق الأفكار التي تعبّر عن الهوية الرقمية للفرد، وذلك عبر تحويل قناعاته ورؤيته إلى محتوى في سوق حرة ومفتوحة في المنصات، وهذه العملية لا يمكن قياسها كمياً بعدد المتابعين أو حجم الوصول والمشاهدات، ولكن بالقيمة التي تتركها الفكرة في حياة الآخرين والمجتمع، والأسلوب أو الطريقة التي تترك أيضاً أثراً في التطوير والتحسين والتغيير لما يتم تداوله.

أشهر أساليب تسويق الأفكار في المنصات ما له علاقة بالإقناع عبر الاستناد إلى الأدلة والمبررات العلمية، وربطها في سياق معرفي وعاطفي وأيضاً سلوكي، وأسهلها الإثارة والتشكيك والتأزيم والجدل والصدمة أحياناً، وأخطرها التلوين بانتقاء جزء من الحقيقة لتحقيق مصالح وأجندات معينة، وهي أكثر عمقاً في الانتقال من التفاعل إلى الاستقطاب وصولاً إلى الاستلاب.

نعود الآن لمحاولة تفكيك محتوى تسويق الأفكار وفقاً لتلك الأساليب وأهدافها؛ لنجد أن الغالبية من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي لا يتمتع بهوية رقمية ذات دلالات يمكن تفسيرها، وتحليلها، والتنبؤ بها في الحكم على الشخصية، حيث تظهر فجوات التناقض، وتحديات النزاهة الرقمية، والقيم الأخلاقية، وكذلك الأطر الفلسفية والوطنية التي تحكم توجهات ومواقف تلك الشخصية.

من هنا برزت لنا هوية رقمية لكثير من المستخدمين تحاول أن تسوّق أفكارها بناءً على عاملَي الترند والبحث عن الشهرة، فليس لديها فكر مشبع بمرجعيات وأفق وأطر، وإنما أفكار تنقلها أو تعلق عليها، وتحاول أن تجد لها مكاناً يرضي غرورها الذاتي، وعدم الشعور بالعزلة، أو التهميش والإقصاء، وبالتالي هم يحملون أفكاراً أكبر من مستوى فكرهم، والدليل حجم التناقض أحياناً في المواقف والتوجهات، والسطحية والتفاهة في التعبير عنها غالباً.

اليوم سهل جداً أن تتعرّف على هوية الأشخاص في المنصات الرقمية بناءً على محتواهم وأسلوب تسويق أفكارهم، وهذا لا يعني أن هذه الهوية غير قابلة للتحوّل أو التطور بمراجعة حصادها، ومحاولة البحث عن أفكار جديدة تسوقها، ولكن في كل مرحلة تحوّل يمكن قراءة الشخصية مجدّداً، وهكذا إلى أن تصل إلى مرحلة النضج والثبات، أو الاستمرار في رحلة البحث عن الشهرة والترند، وهم الغالبية التي لا تريد أن تتحوّل إلى نسق آخر؛ لأنها اختارت أن تبقى معلقة بالذات على حساب الفكر، أو لا يمكنها أن تتراجع لأن هويتها الرقمية ترسّخت بهذه الكيفية التي تجعلها باقية وتتمدد بين الجمهور.

الأهم في كل هذه التفاصيل أن كل فرد له محتوى في شبكات التواصل الاجتماعي حتماً له سمعة بين الجمهور، وهذه السمعة هي ما يراه الآخرون فيه ويتحدثون عنه، وليست الصورة الذهنية التي يراها ويتحدث بها عن نفسه، والفارق بين الأمرين أن سمعتك تسبق صورتك الذهنية، وهذا بحد ذاته كافٍ لتقييم أفكارك قبل تسويقها على الملأ.