شكّلت الحرب الأمريكية ـ الإيرانية، محطة اختبار لدول منطقة الشرق الأوسط عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة، ليس في مستوى مخاطرها الأمنية والقدرة على التكيّف مع آثارها الاقتصادية ما بعد إغلاق مضيق هرمز، وإنما في القدرة على صياغة مسار دبلوماسي يمازج ما بين قوة الرد على الاعتداءات الإيرانية وأذرعها في المنطقة وضبط النفس وما بين صياغة طريق يمكن أن يعمل على خفض التصعيد وإنهاء الحرب وبما يجنّب المنطقة المزيد من التداعيات ويساهم بعودة الاستقرار.

الحقيقة الشاخصة في هذه التطورات التي عصفت بالمنطقة، تتمثل بالدور الدبلوماسي الذي لعبته المملكة العربية السعودية ما قبل حرب 28 فبراير 2026، في محاولة منها لبلورة مواقف دولية تنتج خارطة تفاهمات ما بين واشنطن وطهران، إدراكاً بما يمكن أن تسببه لحظة اندلاع الحرب من اهتزازات بالمنطقة، أمنية واقتصادية وسياسية، والتي لن تتوقف عند حدود المنطقة بل تشمل أغلب الدول في أوروبا وآسيا وفي مختلف الجغرافيات الأخرى، ونجحت الرياض بالتأثير على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتأجيل قرار الحرب ووقفها وإتاحة الفرصة لمزيد من المفاوضات بين واشنطن وطهران، ما يعكس قدرة قيادة المملكة بالعمل وفق مبدأ الدبلوماسية الوقائية وتقليل فرص وكلف اندلاع الحرب على جميع الأطراف.

كيّفت السعودية دبلوماسيتها، ما بعد اندلاع وتصاعد الحرب، وفق مبادئ جديدة في العلاقات الدولية وبالاعتماد على الأمن المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي والقانون الدولي الضابط لأي صراع والمصالح المشتركة في الاستقرار، باعتمادها مبدأ «دبلوماسية الحرب» بمفهومه الإيجابي من خلال استخدام الأدوات الدبلوماسية (السياسة، التفاوض، التحالفات) لتحقيق أهدافها في الأمن والاستقرار بإدارة العلاقات الدولية والتفاوض بين الدول في زمن الحرب، بدل الاعتماد فقط على القوة العسكرية، فالمملكة لا تؤمن بالحروب كخيار لحل الأزمات بين الدول، وهي تقدّم دبلوماسية السلام على أي لحظة صدام عسكري، ودبلوماسية التحالفات على أي خلاف سياسي؛ لذا نحت الرياض خلافاتها جانباً من مبدأ الأخ الأكبر والخطر الداهم الماثل بالعدوان الإيراني الذي شمل كل دول الخليج العربي، فضلاً عن إدراكها أهمية التحركات العربية والإقليمية، لذا كانت الفاعل الأول في إصدار البيان العربي السداسي في 25 آذار، مع دولة الكويت، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، ودولة قطر، والمملكة الأردنية الهاشمية، ذلك البيان الذي أدان الهجمات الإيرانية، والتي تعد انتهاكاً صارخاً لسيادة وسلامة أراضي الدول وللقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وميثاق الأمم المتحدة، سواءً كانت بشكل مباشر أو عبر وكلائها الذين أعلنوا استهداف دول الخليج العربية؛ وكذلك رعت الرياض الاجتماع التنسيقي الإقليمي لوزراء الخارجية في 29 آذار (السعودية، تركيا، باكستان، مصر)، والقمة الثلاثية في 30 آذار (السعودية–الأردن–قطر)، فضلاً عن دعم محاولات استصدار قرار دولي جديد بشأن مضيق هرمز وحمايته من أن يخضع لجهة واحدة واعتبار أعمال إيران العدائية فاقدة للشرعية الدولية ومؤثرة على إمدادات الطاقة العالمية، في خطوة سياسية عالية للرد تعكس انتقالاً نحو بناء كتلة ردع مرنة قادرة على إدارة المخاطر دون الانخراط المباشر في الحرب.

خلال أيام الحرب كان دور ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، مؤثراً وفاعلاً لقادة الدول العربية والإقليمية والغربية، لفهم مجريات الحرب وطرق إنهائها، بحكم ذلك الإرث الدبلوماسي في العلاقات الدولية وفي إدارة الأزمات الدولية الذي يتمتع به وطاقمه الحكومي ونجاحه في كسب المزيد من الحلفاء، حتى في أوقات الحرب لمضاعفة المكاسب، لذا فاعتماد المملكة «دبلوماسية الحرب» يعني أن الحرب لا تُخاض فقط بالسلاح، بل أيضاً بالعقل الرشيد والسياسة المتوازنة والتفاوض المستند على القوة.