في زمنٍ لم تعد فيه الكلمة مجرد رأي، بل أداة قادرة على صناعة واقعٍ كامل، وأحياناً تشويهه، برزت ظاهرة الوسوم المريبة التي تُطلق بين حينٍ وآخر ضد بعض الأجهزة الإدارية وقراراتها، لا بوصفها وسيلة نقدٍ مشروع، بل كأداةٍ لتأليب الرأي العام وبث الشكوك، في مسارٍ يتجاوز حدود المطالبة بالحق إلى الإساءة للوطن ذاته، وهو ما يستوجب وقفة تأملٍ قانونية ومسؤولية وطنية صادقة.

إن الأصل في التعبير أنه حقٌ مكفول، والنقد البنّاء ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى التطوير والإصلاح، غير أن هذا الحق ليس مطلقاً، بل تحكمه ضوابط شرعية ونظامية واضحة، توازن بين حرية الرأي وحماية المصلحة العامة. وعندما تتحول بعض الوسوم إلى منصات لتضخيم الأخطاء، أو ترويج معلومات غير دقيقة، أو بث الشك في مؤسسات الدولة، فإننا لا نكون أمام نقدٍ مشروع، بل أمام ممارسة تُهدد الثقة العامة وتفتح الباب للفوضى الإعلامية.

الخطر الحقيقي ليس في من يصنع الوسم، بل في من يمنحه الحياة بإعادة نشره. فالمشكلة الأعمق لا تكمن في الجهات التي تقف خلف تلك الوسوم فحسب، فهؤلاء في الغالب أصحاب أجندات معلومة أو نوايا مغرضة، وإنما في مشاركة بعض المواطنين، بل وحتى بعض مشاهير وسائل التواصل، ممن يظنون أن إعادة النشر أو التفاعل مع هذه الوسوم هو نوع من «نصرة الحق» أو «إيصال الصوت»، دون إدراكٍ كافٍ لعواقب ذلك قانونياً ووطنياً.

فالمشاركة في هذه الحملات، ولو بحسن نية، قد تُعد إسهاماً في نشر محتوى مضلل أو مسيء، وقد تُرتب مسؤولية نظامية، خاصة إذا تضمنت تلك الوسوم ادعاءات غير مثبتة أو عبارات تمس سمعة الجهات أو تُشكك في نزاهتها. وقد تصل العقوبات في بعض الحالات إلى السجن والغرامة، متى ما ثبت أن المحتوى ينطوي على تشهير، أو تضليل، أو مساس بالنظام العام عبر وسائل التقنية. ولا يُشترط في ذلك أن يكون الفاعل هو المنشئ الأصلي للمحتوى، بل قد تمتد المسؤولية إلى كل من ساهم في نشره أو الترويج له، متى ما توافرت أركان المسؤولية.

إن تضخيم القضايا عبر هذا الأسلوب لا يضمن الوصول إلى الحل، بل قد يؤدي إلى تعقيدها، وإثارة الرأي العام على نحوٍ يضر أكثر مما ينفع، ويُخرج النقاش من مساره الطبيعي إلى حالة من الاستقطاب والضجيج، حيث تختلط الحقائق بالانطباعات، ويغيب التحقق لصالح التفاعل.

والدولة، بحمد الله، لم تغلق أبوابها أمام المواطنين، بل وفّرت قنوات رسمية واضحة لتلقي الشكاوى والتظلمات، بدءاً من المنصات الإلكترونية، مروراً بالجهات الرقابية، وانتهاءً بالقضاء الذي يكفل لكل ذي حقٍ حقه. وهذه القنوات، وإن بدت للبعض أبطأ من «الترند»، إلا أنها الأجدر بالثقة، والأضمن لتحقيق العدالة بعيداً عن الضجيج والتأويل.

ومن هنا، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق الجهات الرسمية فحسب، بل تمتد إلى كل مستخدمٍ لمنصات التواصل، ليكون واعياً بما ينشر ويشارك، مدركاً أن كل ضغطة زر قد تكون لها تبعات قانونية وأثر مجتمعي عميق. كما أن على مشاهير التواصل مسؤولية مضاعفة، بحكم تأثيرهم الواسع، في تحري الدقة وعدم الانسياق خلف ما يحقق التفاعل على حساب الحقيقة.

إن حماية الوطن لا تكون فقط في ميادين القتال، بل في حماية سمعته، وصون مؤسساته، وعدم الانجرار خلف حملات مشبوهة تستهدف النيل منه تحت غطاء المطالبة بالحقوق. فالوطن ليس خصماً، بل هو المظلة التي نحتمي بها جميعاً، وأي إساءة له، مباشرة كانت أو غير مباشرة، هي إساءة للجميع.

فالكلمة اليوم لم تعد مجرد تعبير، بل مسؤولية.. ومن لا يضبطها، قد يشارك دون أن يدري في هدم ما يظن أنه يدافع عنه.