الفن، بطبيعته، وعلى جماله ورسالته، كائن مشاكس لا يعيش في المساحات المريحة، لأنه يتغذى على التوتر والإثارة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.

لكن في المجتمعات الشرقية تحديدًا، تصبح جرأة الفكرة خرقًا، وخيال القصة إسقاطًا لا تجربة جديدة، ولا أعني الجرأة الإباحية أو الإسفاف الرخيص، فالإشكالية هنا أن ابتداع «قصة معينة» لا يُفهم بأنه عمل فني يُروى ويُجسّد للمتلقي، بل يغدو تعبيرًا حيًا يتماس مع خصوصية المجتمع، وكحدٍّ يجب ألا يُمسّ، ما يختزل الهوية في صورة جامدة، ويُطلب من الفن أن يكون مرآة صافية لا تجرّؤ على جرأة الفكرة بحجة التشويه ولو كانت هذه الفكرة هي عين الحقيقة.

لذلك، كل عمل فني بفكرة غير مألوفة يُتهم فورًا بمحاولة الإسقاط والتشويه، بل والتآمر على القيم والعادات بربط غير منطقي بالواقع، وكأن الفن مطالب بأن يكون تكرارًا مريحًا ومطابقًا لما يريده المتلقي ويتفق مع محيطه.

لماذا تُهاجم الأعمال الجريئة؟

الفن الجريء لا يقدّم إجابات، بل يطرح أسئلة مزعجة؟ عن السلبيات وعن التناقضات وعن الأسباب.

الهجوم هنا ليس على العمل بحد ذاته، بل على ما يوقظه من قلق؛ القلق من إعادة النظر في القضايا، من مواجهة المجتمع والذات دون أقنعة.

لماذا تُلام الأعمال بحجة «التشويه» و«الإسقاط»؟

لأن البعض يفضّل الصورة المثالية على الحقيقة المركّبة.

يُنظر إلى أي طرح نقدي بوصفه تعميمًا ظالمًا، لا قراءة جزئية. وكأن الفن مُطالب بأن لا يعبّر عن تجربة إنسانية محددة.

هنا يُسحب من الفنان أو الكاتب حقه في التخييل، ويُطلب منه أن يكون سفيرًا للسمعة لا كاتبًا للحقيقة أو مبتكرًا للقصة.

لماذا نظل نكرر؟

لأن التكرار آمن والتقليدية مقبولة ولا يثيران الجدل، ولا يستفز النص المعتاد الحساسية، ولا يضع أحدًا في مواجهة ذاته. نكرر القصص ذاتها، الشخصيات ذاتها، النهايات ذاتها، فنصنع فنًا بلا صدمة وبلا أثر.

التكرار ليس مجرد خيار جمالي، بل نتيجة مباشرة لنقد متعنّت يُكافئ الامتثال ويعاقب الجرأة ويسبّب الملل، وهذا ما أصاب الدراما الخليجية بالملل!