أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/899.jpg?v=1765273212&w=220&q=100&f=webp

خالد الجارالله

صحافي | كاتب رأي

السؤال ليس كيف غنّى عبدالله المانع؟ بل كيف وصل إلى مسرح عبادي الجوهر؟

بعد نهاية حفلة الفنان عبدالله المانع الأسبوع الماضي على مسرح عبادي الجوهر أرينا، لم يكن السؤال الذي بقي في ذهني: كيف غنّى عبدالله المانع؟ بل: كيف وصل إلى مسرح يحمل اسم عبادي الجوهر وهو بهذا الأداء الفني المتواضع؟

هذا السؤال لا ينتقص من حق أي فنان في الغناء، لكنه يضع معيار الاختيار تحت المجهر. فالمسرح الذي ارتبط باسم أحد أهم الأصوات في تاريخ الأغنية الخليجية ليس مجرد موقع لإقامة الحفلات، بل رمز يفترض أن يعكس مستوى فنياً استثنائياً، وأن يمنح الجمهور تجربة تتناسب مع القيمة التي يحملها اسمه.

ما ظهر في الحفل -من وجهة نظري- لم يكن أداءً ينسجم مع هذا السقف.

الإمكانات الصوتية لعبدالله المانع بدت محدودة وتجلى تواضعها في أغنية «يا خوي»، والحضور المسرحي لم يكن قادراً على قيادة الأغنية أو منحها ثقلها، فيما غابت التفاصيل التي تصنع الفارق بين مطرب يؤدي الأغنية، وفنان يملك أدواتها.

الأمر لا يتعلق بعبدالله المانع وحده، ولا حتى بعبدالعزيز الضويحي الذي أنقذ شيئاً من ليلته، وإنما بالرسالة التي تبعثها هذه الاختيارات.

فإذا كانت خشبة تحمل اسم عبادي الجوهر تستقبل مستويات كهذه، فما الذي بقي من خصوصية هذا المسرح؟ وما الذي يميّزه عن أي منصة غنائية أخرى؟

النقد هنا لا يتجه إلى الأشخاص بقدر ما يتجه إلى فلسفة الاختيار. لأن الفنان يقبل الفرصة بطبيعة الحال، أما من يملك حق الاختيار، فهو من يتحمّل مسؤولية المحافظة على قيمة المكان ورمزيته.

تجارياً لا يمكن الحكم على نجاح الحفلة من عدمها مع غياب تفاصيل الأجور والتشغيل، لكن فنياً لا يحتاج صاحب ذائقة فنية أصيلة إلى وقت ليصنّفها بحفلة متواضعة الأداء.

القضية في النهاية ليست حفلة انتهت، بل معيار يتغيّر. وعندما تتغيّر المعايير، تصبح الأسماء الكبيرة مجرد لافتات للجذب، بينما تفقد المسارح تدريجياً الدور الذي أُنشئت من أجله؛ أن تكون عنواناً للجودة، وجذباً للجمهور، لا مجرد محطة في روزنامة الحفلات.

ما أثار استغرابي أكثر من مستوى الحفل، تلك المحاولات التي أعقبت الأمسية لصناعة انطباع مختلف عنها من إعلاميين أو متطفلين على المهنة.

قرأت إشادات، وشاهدت عبارات غير منطقية، وكأن المطلوب إقناع الجمهور بأنه عاش ليلة استثنائية، بينما ما قُدّم على المسرح لا ينسجم -في تقديري- مع هذا الوصف.

وظيفة الصحافة الفنية ليست أن تمنح شهادات نجاح لشيء لم ينجح، ولا أن تتحوّل إلى ذراع للعلاقات العامة.

دورها أن توثّق، وأن تقيّم، وأن تقول: هنا أصبت، وهنا أخفقت. لأن المجاملة قد تمنح الحفل وهجاً لساعات، لكنها تضر بالمشهد الفني لسنوات.

المؤسف أن بعض الخطاب في الصحافة الفنية اليوم لم يعد يراجع العمل الفني، بل يراجع ردود الفعل عليه، ويكتفي بترديد مفردات من قبيل «ليلة استثنائية» و«نجاح كبير» و«حضور مبهر»، حتى أصبحت هذه العبارات تُكتب قبل أن يُرفع الستار.

الفن لا يحتاج إلى من يصنع له هالة، بل إلى من يحمي معاييره.

منذ ساعتين

السؤال ليس كيف غنّى عبدالله المانع؟ بل كيف وصل إلى مسرح عبادي الجوهر؟

بعد نهاية حفلة الفنان عبدالله المانع الأسبوع الماضي على مسرح عبادي الجوهر أرينا، لم يكن السؤال الذي بقي في ذهني: كيف غنّى عبدالله المانع؟ بل: كيف وصل إلى مسرح يحمل اسم عبادي الجوهر وهو بهذا الأداء الفني المتواضع؟

هذا السؤال لا ينتقص من حق أي فنان في الغناء، لكنه يضع معيار الاختيار تحت المجهر. فالمسرح الذي ارتبط باسم أحد أهم الأصوات في تاريخ الأغنية الخليجية ليس مجرد موقع لإقامة الحفلات، بل رمز يفترض أن يعكس مستوى فنياً استثنائياً، وأن يمنح الجمهور تجربة تتناسب مع القيمة التي يحملها اسمه.

ما ظهر في الحفل -من وجهة نظري- لم يكن أداءً ينسجم مع هذا السقف.

الإمكانات الصوتية لعبدالله المانع بدت محدودة وتجلى تواضعها في أغنية «يا خوي»، والحضور المسرحي لم يكن قادراً على قيادة الأغنية أو منحها ثقلها، فيما غابت التفاصيل التي تصنع الفارق بين مطرب يؤدي الأغنية، وفنان يملك أدواتها.

الأمر لا يتعلق بعبدالله المانع وحده، ولا حتى بعبدالعزيز الضويحي الذي أنقذ شيئاً من ليلته، وإنما بالرسالة التي تبعثها هذه الاختيارات.

فإذا كانت خشبة تحمل اسم عبادي الجوهر تستقبل مستويات كهذه، فما الذي بقي من خصوصية هذا المسرح؟ وما الذي يميّزه عن أي منصة غنائية أخرى؟

النقد هنا لا يتجه إلى الأشخاص بقدر ما يتجه إلى فلسفة الاختيار. لأن الفنان يقبل الفرصة بطبيعة الحال، أما من يملك حق الاختيار، فهو من يتحمّل مسؤولية المحافظة على قيمة المكان ورمزيته.

تجارياً لا يمكن الحكم على نجاح الحفلة من عدمها مع غياب تفاصيل الأجور والتشغيل، لكن فنياً لا يحتاج صاحب ذائقة فنية أصيلة إلى وقت ليصنّفها بحفلة متواضعة الأداء.

القضية في النهاية ليست حفلة انتهت، بل معيار يتغيّر. وعندما تتغيّر المعايير، تصبح الأسماء الكبيرة مجرد لافتات للجذب، بينما تفقد المسارح تدريجياً الدور الذي أُنشئت من أجله؛ أن تكون عنواناً للجودة، وجذباً للجمهور، لا مجرد محطة في روزنامة الحفلات.

ما أثار استغرابي أكثر من مستوى الحفل، تلك المحاولات التي أعقبت الأمسية لصناعة انطباع مختلف عنها من إعلاميين أو متطفلين على المهنة.

قرأت إشادات، وشاهدت عبارات غير منطقية، وكأن المطلوب إقناع الجمهور بأنه عاش ليلة استثنائية، بينما ما قُدّم على المسرح لا ينسجم -في تقديري- مع هذا الوصف.

وظيفة الصحافة الفنية ليست أن تمنح شهادات نجاح لشيء لم ينجح، ولا أن تتحوّل إلى ذراع للعلاقات العامة.

دورها أن توثّق، وأن تقيّم، وأن تقول: هنا أصبت، وهنا أخفقت. لأن المجاملة قد تمنح الحفل وهجاً لساعات، لكنها تضر بالمشهد الفني لسنوات.

المؤسف أن بعض الخطاب في الصحافة الفنية اليوم لم يعد يراجع العمل الفني، بل يراجع ردود الفعل عليه، ويكتفي بترديد مفردات من قبيل «ليلة استثنائية» و«نجاح كبير» و«حضور مبهر»، حتى أصبحت هذه العبارات تُكتب قبل أن يُرفع الستار.

الفن لا يحتاج إلى من يصنع له هالة، بل إلى من يحمي معاييره.

منذ ساعتين

من خلع قبعة صديقي؟ وماذا كان تحت القبعة؟!

كان لي صديق سوداني من الصحفيين القدامى، يحدثني دائماً أن سخريته في المقالات ليس كتابة ساخرة، بل سلوك مهنة تتطلب شجاعة الجرّاح ودقته.

فالساخر الحقيقي برأيه أكثر الناس جدّية لا يطلق النكات، وإنما يضع إصبعه على موضع الألم، ثم يغلّفه بابتسامة حتى يستطيع المتلقي ابتلاعه.

لهذا كانت زاويته اليومية «تحت القبعة» واحدة من أكثر الزوايا حضوراً وإثارة.

لم تكن تستهدف أشخاصاً بقدر ما كانت تلاحق السلوكيات التي تستفزه: البيروقراطية، تسلّط زوجته، حظه العاثر، الغرور، عنجهية المشاهير، والخوف المزمن الذي يصيب بعض المسؤولين من الموظف المتميّز.

كان يكتب عن الظاهرة والموقف، لكن كان يعاني من الذين حوله ويظنون أنهم المقصودون.

وهنا تكمن المفارقة في المقال الساخر؛ أنه كلما كان عاماً، فضح الخاص. وكلما ابتعد عن الأسماء، اقترب من الوجوه.

ذات يوم كتب عن المدير الذي يقلقه نجاح مرؤوسيه أكثر مما تقلقه أخطاؤهم.

لم يسمِّ أو يقصد أحداً بعينه، ولم يشر إلى مؤسسة أو قطاع، ولم يترك دليلاً يقود إلى شخص بعينه.

ومع ذلك، شعر مديره المباشر آنذاك أن المقال كُتب عنه!

لم يناقش الفكرة، ولم يفندها، ولم يكتب رداً، بل مارس سلطته بالطريقة الأسهل، أوقف عموده الذي كان اسمه «تحت القبعة»، وكان القرار في ظاهره جزءاً من التطوير التحريري، أما في باطنه فلم يكن سوى خصومة شخصية اشتعلت بسبب سوء ظن.

وهنا يظهر الفارق بين من يكتب ليملأ مساحة، ومن يكتب لأنه يؤمن أن المقال موقف.

لم يقبل الزميل أن يُدفن مقاله تحت قرار إداري، دافع عن زاويته، وجادل، وناقش، وتمسّك بحق النص في أن يُقرأ لا بحق الكاتب في أن ينتصر.

وصل الأمر إلى رئيس التحرير حينها، الذي أدرك أن الأزمة لم تكن في المقال، بل في طريقة قراءته، فأعاد «تحت القبعة» إلى مكانها، إنصافاً للكاتب وإعجاباً بحرفيته الساخرة، مع شرط واحد: ألا يهمز ولا يلمز.

لكن إدمان صديقي الكاتب الساخر لنمط السخرية في كتاباته لم يمنعه عنها، ولذلك عاد في أول عدد بعد الإيقاف بعنوان يُدرّس في فن الرد «من خلع قبعتي؟».

لم يكن العنوان احتجاجاً، ولم يكن انتقاماً، بل كان ابتسامة ساخرة تقول كل شيء دون أن تقول شيئاً.

كشف الواقعة، وحفظ كرامة المهنة، وترك للقارئ أن يملأ الفراغات بنفسه.

هذه هي الحذاقة المهنية التي نفتقدها اليوم، وجمال الأسلوب الناقد، وفن كتابة المقال الساخر، بعدما شاعت في منصات التواصل منشورات الشتم والحدّة، وأفقد الحضور الرقمي رصانة الكثيرين وفضح مستوى آخرين..

ولعل أخطر ما يواجه المقال الساخر اليوم ليست سذاجة وفوضى منصات التواصل، بل القارئ الذي يقرأ بعقده الشخصية.

فمن يخاف من الحقيقة يرى نفسه في كل مرآة، ومن يرتاب من النقد يظن أن كل استعارة سهم موجه إلى صدره.

لهذا بقيت «تحت القبعة» درساً يتجاوز اسم زاوية صحفية إلى درس في أن المقال الجيد قد يُوقف، لكنه لا يُهزم، وأن الكلمة التي تُدافع عن نفسها بالحجة تعود دائماً، وربما تعود أكثر لمعاناً حتى لو كان عنوانها: «من خلع قبعتي».

00:00 | 26-06-2026

«ودنا بالطيب لكن الدهر جحاد طيب».. تفاصيل صغيرة تختصر الإنسان كله

لا أميل كثيرًا إلى الحديث عن نفسي، لكن بعض الأفكار لا تجد طريقها إلى التعبير إلا عبر التجربة الشخصية، لأنها المرآة الأصدق عن دواخلنا ورؤانا.

تستوقفني التفاصيل الصغيرة؛ تلك التي قد لا يلتفت إليها أحد، لكنها بالنسبة لي تختصر الإنسان كله.

لا أؤمن أن الرقي يُقاس بالمظاهر أو الألقاب والمكانة، بل بالطريقة التي تُقال بها الكلمات، بالأسلوب الذي تُمارس به أبسط التصرفات.

يأسرني كثير الاستئذان وعفّ اللسان، يلفتني نادل يقدّم الطلب بابتسامة صادقة، ويستوقفني موظف استقبال يمنحني اهتمامًا حقيقيًا، أو شخص يختار كلماته بعناية احترامًا لمشاعر الآخرين.

قد تبدو هذه أمورًا عابرة عند كثيرين وتحكمها بروتوكولات ومصالح وأنظمة، لكنها عندي تفاصيل إنسانية تصنع الفارق بين الحضور العادي والحضور الذي يترك أثرًا لا يُنسى.

لهذا كثيرًا ما أجد نفسي أسيرًا للحظات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في معناها. كلمة طيبة قد تبقى في الذاكرة لسنوات، واستقبال لطيف قد يغيّر انطباع يوم كامل، وموقف مهذب قد يرفع صاحبه في العين أكثر مما ترفعه أي إنجازات أخرى.

لكن في مقابل ذلك يؤلمني أن عالمنا أصبح أكثر انشغالًا بالنتائج وأقل اهتمامًا بالطريقة. كثيرون حولي يركّزون على ماذا يفعلون وماذا ينجزون، بينما القيمة الحقيقية تكمن أحيانًا في كيف يفعلونه، فالإنسانية لا تظهر في القرارات الكبيرة فقط، بل تتجلى في التفاصيل الدقيقة التي لا يراقبها أحد ولا تفرضها الأنظمة ولا تُلزم بها اللوائح.

ربما لهذا السبب أبدو شديد الحساسية تجاه مشاهد اللباقة والأناقة والإتيكيت واحترام مشاعر الآخرين، ليس لأنها مظاهر اجتماعية راقية فحسب، بل لأنها في جوهرها رسائل احترام صامتة. إنها اللغة الخفية التي يخبرنا بها الآخرون بمقدار تقديرهم لمن حولهم.

وفي ظني أن المجتمعات والعلاقات لا ترتقي بالأنظمة والحقوق وحدها، بل ترتقي حين تتحوّل هذه التفاصيل الصغيرة إلى ثقافة عامة، ثقافة تجعل الاحترام عادة، والذوق قيمة، والإنسانية سلوكًا يوميًا يُمارس دون ضجيج، فالود ليس ضعفًا، والتفهم ليس تنازلًا، والطيبة ليست سذاجة؛ إنها أشكال راقية من القوة، لا يملكها إلا من بلغ من النضج ما يجعله قادرًا على الانتصار لأخلاقه قبل انتصاره لنفسه.

وأخيرًا ربما كانت المشكلة أن هذا الزمن لا يمنح التفاصيل الجميلة ما تستحقه من تقدير، ولا يقابل النوايا الحسنة دائمًا بما يشبهها، ومع ذلك تبقى خيارًا شخصيًا لا يتغيّر بتغيّر الآخرين، وقيمة لا تنخفض لمجرد أن البعض لا يجيد قراءتها. وكما قال سعد بن جدلان رحمه الله:

ودنا بالطيب لكن الدهر جحاد طيب

كل ما تخلص مع الناس كنك تغشها

00:02 | 19-06-2026

كيف عصفت قبعة المجتمع بالدراما المحلية وجعلتها مكررة؟!

الفن، بطبيعته، وعلى جماله ورسالته، كائن مشاكس لا يعيش في المساحات المريحة، لأنه يتغذى على التوتر والإثارة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.

لكن في المجتمعات الشرقية تحديدًا، تصبح جرأة الفكرة خرقًا، وخيال القصة إسقاطًا لا تجربة جديدة، ولا أعني الجرأة الإباحية أو الإسفاف الرخيص، فالإشكالية هنا أن ابتداع «قصة معينة» لا يُفهم بأنه عمل فني يُروى ويُجسّد للمتلقي، بل يغدو تعبيرًا حيًا يتماس مع خصوصية المجتمع، وكحدٍّ يجب ألا يُمسّ، ما يختزل الهوية في صورة جامدة، ويُطلب من الفن أن يكون مرآة صافية لا تجرّؤ على جرأة الفكرة بحجة التشويه ولو كانت هذه الفكرة هي عين الحقيقة.

لذلك، كل عمل فني بفكرة غير مألوفة يُتهم فورًا بمحاولة الإسقاط والتشويه، بل والتآمر على القيم والعادات بربط غير منطقي بالواقع، وكأن الفن مطالب بأن يكون تكرارًا مريحًا ومطابقًا لما يريده المتلقي ويتفق مع محيطه.

لماذا تُهاجم الأعمال الجريئة؟

الفن الجريء لا يقدّم إجابات، بل يطرح أسئلة مزعجة؟ عن السلبيات وعن التناقضات وعن الأسباب.

الهجوم هنا ليس على العمل بحد ذاته، بل على ما يوقظه من قلق؛ القلق من إعادة النظر في القضايا، من مواجهة المجتمع والذات دون أقنعة.

لماذا تُلام الأعمال بحجة «التشويه» و«الإسقاط»؟

لأن البعض يفضّل الصورة المثالية على الحقيقة المركّبة.

يُنظر إلى أي طرح نقدي بوصفه تعميمًا ظالمًا، لا قراءة جزئية. وكأن الفن مُطالب بأن لا يعبّر عن تجربة إنسانية محددة.

هنا يُسحب من الفنان أو الكاتب حقه في التخييل، ويُطلب منه أن يكون سفيرًا للسمعة لا كاتبًا للحقيقة أو مبتكرًا للقصة.

لماذا نظل نكرر؟

لأن التكرار آمن والتقليدية مقبولة ولا يثيران الجدل، ولا يستفز النص المعتاد الحساسية، ولا يضع أحدًا في مواجهة ذاته. نكرر القصص ذاتها، الشخصيات ذاتها، النهايات ذاتها، فنصنع فنًا بلا صدمة وبلا أثر.

التكرار ليس مجرد خيار جمالي، بل نتيجة مباشرة لنقد متعنّت يُكافئ الامتثال ويعاقب الجرأة ويسبّب الملل، وهذا ما أصاب الدراما الخليجية بالملل!

00:14 | 24-03-2026

عن مزاج ثريا قابل.. وفلسفة الغياب الأنيق

في ستينيات القرن الماضي، لم يكن صدور كتابٍ شعري حدثاً عادياً في المشهد الثقافي السعودي، لكن ما جرى مع ديوان «الأوزان الباكية» للشاعرة ثريا قابل كان أشبه بارتجاجٍ هادئ في جدارٍ اجتماعي طويل الصمت؛ إذ حمل الديوان اسم امرأةٍ صريحاً على غلافه، في زمنٍ كانت تغلب فيه القيود الاجتماعية المتوجسة والخصوصية الصرفة عن المجاهرة بالإبداع، زمن اعتادت فيه الكاتبات والشاعرات الاختباء خلف الأسماء المستعارة، فبدا كأن القصيدة خرجت من الظل إلى الضوء دفعةً واحدة.

وقد صدر الديوان في بيروت 1963م، ليصبح أول مجموعة شعرية فصيحة تُنشر باسم امرأة سعودية، فاتحاً باباً جديداً لحضور المرأة في الأدب المحلي.

هذا الحدث كانت الراحلة ثريا قابل تحدثني عنه بزهوٍ شديد وهي قد ناهزت السبعينات من عمرها آنذاك في حوار أجريته معها قبل سنوات، كانت تحتفظ بالتفاصيل الدقيقة وبالشجاعة التي كانت عليها رغم عمرها الشاب وقتذاك، وحساسية ظهورها فيه، فبمجرد الطريق لم يكن مفروشاً بالتصفيق. فبمجرد ظهور الديوان، اندلع حوله جدلٌ واسع، لا بسبب نصوصه وحدها، بل لأن المجتمع حينها وجد نفسه أمام سؤالٍ أكبر: هل يحق للصوت النسائي أن يقف علناً في ساحة الشعر؟ وقد واجه العمل انتقاداتٍ عند صدوره، في مقابل دفاعٍ قوي من الأديب الرائد محمد حسن عواد الذي رأى في التجربة خطوةً جريئة تستحق الاحتفاء، لكنه وكما تقول -رحمها الله- قد زاد في الإشادة بموهبتها، حتى قارب بينها وبين كبار الشعراء، وذهب إلى حد تشبيهها بخنساء القرن العشرين، وهو وصفٌ ظل ملازماً لاسمها في الذاكرة الثقافية حتى بعد رحيلها.

وفي المقابل، رأى بعض المحافظين أن هذا الاحتفاء المفرط يجاوز القيمة الفنية للنصوص، وأن ظهور امرأةٍ باسمها الصريح في كتاب شعري يمثل تحوّلاً اجتماعياً حساساً، فتحوّل النقاش من نقد القصيدة إلى مناقشة جدلية حول الحضور النسائي ذاته في المجال العام، قالت عنها بصراحة في حديثها لي إنها كانت سعيدة باستمرار هذا الجدل لثمانية أشهر، حيث أضفى على الديوان زخماً كبيراً وتوثيقاً خاصاً لأولوية سجلتها باسمها حتى اليوم، فكان هذا الجدل جزءاً من ولادته التاريخية؛ إذ تحوّل من مجرد كتاب شعري إلى علامةٍ فاصلة في مسار الكتابة النسائية السعودية، ودليلٍ مبكر على تحوّلٍ ثقافي أوسع كان يتشكل ببطء داخل المجتمع. فقد كسرت ثريا قابل حاجزه بالنشر باسمها الحقيقي، ومهّدت الطريق لأصواتٍ نسائية لاحقة في الأدب والصحافة، حتى غدت كلماتها جزءاً من الذاكرة الفنية والشعرية لجيلٍ كامل.

في فلسفتها الخاصة، لم تكن الكتابة فعلاً يمكن استدعاؤه متى شاءت، بل طقساً لا يحدث إلا في لحظة صفاء نادرة ومزاج، لحظة ترتفع فيها الروح فوق ضجيج الروتين اليومي وصخب «الجوالات» ومقاطعة لحظات كما وصفت لي.

لذلك بدت قليلة الإنتاج قياساً بموهبتها الكبيرة حتى أنها أسرّت لي حينها بتكليفها بكتابة أوبريت غنائي كبير لكنها اعتذرت بلباقة لأنها مزاجها الخاص يتطلب مساحة وقت ممتدة ولحظات غير متوقعة، إذ آمنت أن النص الحقيقي لا يُكتب إلا عندما يكتمل شعوره في الداخل ومن تلقاء النفس وبلا مقدمات.

هذا المزاج الشعري انعكس بوضوح في علاقتها الإنسانية والفنية مع صوتين شكّلا جزءاً من ذاكرتها العاطفية: طلال مداح وفوزي محسون؛ فمع طلال مداح لم تكن العلاقة مجرد تعاون بين شاعر ومطرب، بل مساحة فنية مشتركة تتقاطع فيها رؤيتهما الفنية والإحساس العالي باللحن والكلمة. كان طلال يقرأ النص ويعيشه، وكانت هي ترى في صوته امتداداً شفيفاً لقلقها الجميل، أما فوزي محسون فمثّل جانباً آخر منها؛ جانب الفهم الدقيق لفنها العميق، فلم تكن ثريا تبحث عن الانتشار الفني بقدر ما كانت تبحث عن الكفاءة التي تنقل إحساسها، ولهذا اختارت شركاءها بعاطفةٍ واعية، لا بحسابات السوق.

هكذا يمكن قراءة حياة ثريا قابل، مزاجية تحمي الجمال من التسطيح، وانتقائية صنعت حضوراً أبقى، عاشت كما تكتب على إيقاع شعورٍ لا يقبل أنصاف اللحظات، وسيبقى اسمها مرتبطاً بتلك المنطقة النادرة والرفيعة من الفن.

00:06 | 13-02-2026

مهرجان الأفلام السينمائية الطلابية.. حين تصدّر الجامعات جيلاً موهوباً يكتب قصته بنفسه

ليس أصدق من أن تنزوي في مقاعد قصيّة كمتفرّج بعين راصدة، لا تلتقط الفعل وحده بل وارتداداته في كل اتجاه.

دائماً ما أقول إن صناعة الإبداع ليست مشروعاً فوقياً ولا يجب أن تكون كذلك، بل تتشكل من الأسفل ومن قاع البدايات، من قاعة مسارح التدريب الجامعي، من كاميرا بسيطة، من فكرة أو موهبة صغيرة تكبر، من دور «كومبارس» أو من مشاهد بسيطة تُنفذ بعناية.

في مهرجان الأفلام السينمائية الطلابية 2025، كانت أنفاس الحماس تتصاعد من قلب القاعات، كأنها جزء من الحدث، وتلمس مشاعر الاعتزاز والامتنان بين المشاركين والحضور، وكأن المكان كلّه يتهيأ لصناعة جيل سعودي يعرف تماماً لماذا يصنع فيلماً، ولمن يقدمه، وكيف يريد أن يُرى في عالم لا يرحم الصورة ولا ينسى أثَرها.

جاء المهرجان مختلفاً في روحه ومقاصده؛ فلم يقتصر على عروض طلابية عابرة، بل حمل مشروعاً حقيقياً لتأسيس وعي بصري جديد داخل الجامعات السعودية، يربط التعليم بالممارسة، والرؤية بالجرأة، والموهبة بالمنصة التي تستحقها، وأكثر ما يلفت الانتباه الشراكة النوعية مع MBC Academy كخطوة جادة تفعّل أهداف المؤتمر، إذ أُعلن عن بث 30 فيلماً طلابياً مختاراً عبر منصة «شاهد»، في حدث غير مسبوق كسر العزلة التقليدية بين الإنتاج الجامعي وسوق المشاهدة الفعلي، حيث سيجد الطالب نفسه فجأة أمام شاشة تتّسع للعالم، وأمام جمهور لا يعرفه لكنه يراه، ويقيّمه، ويتفاعل معه، وهي رسالة محفزة لكل موهوب ومبدع.

على امتداد أيام المهرجان، وبمشاركة أكثر من 140 فيلماً من 18 جامعة، كان المحتوى المعرفي إلى جانب التنافسي الإبداعي جزءاً من هويته الجوهرية، وجاءت الجلسات والورش والدورات لتكشف عن مزيج متكامل من التخصصات التي تُعيد تشكيل السينما المعاصرة؛ بدءاً من تقنيات الواقع الافتراضي والابتكار البصري، مروراً بفنون اختيار مواقع التصوير وصولاً إلى النقاشات حول كيف تُقدَّم ثقافتنا وقصصنا للعالم برؤية لا تستنسخ الماضي بل تستشرف المستقبل عبره بثقة وإبداع، ودور الفن والسينما كأحد أذرعته في نقل صورة المملكة بوصفه شريكاً أساسياً في تشكيل الانطباع العالمي لا مجرد متلقي أو ناقل للحدث.

كان لجامعة الملك عبدالعزيز إسهام مؤثر في نجاح هذا المهرجان عبر كلية الاتصال والإعلام بقيادة عميدها الدكتور أيمن باجنيد وأعضاء هيئة التدريس فيها في تحويل الفكرة إلى حدث والحدث إلى بيئة احترافية ومختبر حي لصناعة محتوى سينمائي وجيل موهوب، وجد مساحة للتجريب والدعم والتوجيه.

غير أن الأثر الأعمق للمهرجان لم يكن في الورش ولا الجلسات ولا الشراكات، بل في ردود الفعل الحقيقية للطلاب التي لمسناها بصدق ودون مبالغة، فالمشاركون والمتفرجون -على حد سواء- حملوا انطباعات لا تتكرر بين دهشة، فخر، إحساس بأن السينما لم تعد حلماً بعيداً، بل طريقاً يمكن السير فيه..ولاشك عندي أن القادم أجمل.

00:11 | 5-12-2025

«نفسك».. ومن بعدها الطوفان

الانطباعات التي تتشكل عنا ليست حقيقية بالمطلق، بل ربما كانت صدى أصوات لا تخصنا، لأنها في نهاية الأمر انعكاسات تتراقص على سطح مرآة الآخرين، وتأتي كمرآة مكسورة أحياناً، مشروخة بالمزاج، مغبّشة بالتجارب، مشوهة بالانفعالات، فتُظهرنا كما يريدون هم أن يرونا، لا كما نحن في الواقع.

وفي هذا التيه البشري المكتظ بالظنون والادّعاء، يراهن الكثير على تلك المرايا، فيعيشون على وقع نظرة، أو تعليق، أو حكم طارئ، أما الرهان الحقيقي، فهو ما راهن عليه العقلاء والراسخون «على النفس».

الثقة بالنفس، ليست ترفاً نفسانياً، بل ضرورة وجودية، فهي البوصلة التي تعيدنا إلى الطريق حين تتوه خرائط الآخرين. هي المفتاح إلى القبول، لا قبول الآخرين بنا، بل قبولنا لأنفسنا كما نحن بتجاربنا، بأخطائنا، وبحقيقتنا التي لا تتلوّن إلا بصدق.

من امتلك هذه الثقة، امتلك سلاحه في معركة الحياة، واستراح من عناء إرضاء من لا يُرضى.

كم من شخص انهزم لا لأن الحياة هزمته، بل لأنه صدّق شخصاً واهماً قال له إنه مهزوم، وكم من آخر ارتقى لا لأن الحظ سانده، بل لأنه آمن أنه يستحق الارتقاء.

لا يوجد فاشل على هذا الكوكب، بل هناك من توقف عند عثرته، ومن جعلها سُلّمه. فالنجاح لا يصنعه الطموح وحده، بل يُنحت من الألم، من التجربة، من ذلك الإخفاق الذي لم يكسرنا بل صقلنا.

وفي ذات السياق، لا يجب أن تغشّنا المظاهر ولا المناصب، فليست المناصب دوماً نتاج كفاءة، بل أحياناً ثمرة ظروف ومصادفات وتوازنات لا تعكس قيمة الشخص بقدر ما تعكس فوضى العالم. وهنا، من الغبن أن نجلد أنفسنا بمقارنات مع من لم يمرّ بطريقنا، ولم يحمل همّنا، ولا سقط مثلنا ثم نهض، ولا يعمل كما نعمل.

الأسوأ من نظرة الآخر، هو أن نُصبح نحن مرآة زائفة لأنفسنا، فكم مرة وثقنا بأشخاص وضعناهم في مقام المساندين، ثم كشف الزمن هشاشتهم.

الحقيقة هي أن الإنسان لا يجب أن يثق بأحد كما يثق بقدرته على النجاة، على التقييم، على النمو.

فالثقة بالذات تعني إدراكاً عميقاً لحقيقتك من أنت؟ وما تستطيع؟ إنها ملاذك حين يغدر بك من ظننته سنداً، وسلاحك حين تُقصى لأنك لم تكن جزءاً من لعبة الأقنعة.

وهي نصيحتي للشغوفين في كل مجالات الحياة، فليس من العقل أن نعيش بين ظلال الآخرين وإن كانوا مأزومين.
00:09 | 1-08-2025

«الذكاء الاصطناعي» نعمة ترتقي بالمبدع و«فوبيا» تسحق المتكاسل

كانت الكتابة الإبداعية هي أول تجليات الوعي البشري، وكانت أيضاً رحلتها طويلة وشاقة، بدأت من نحت الحرف، ومرت بمخاضات التدوين البدائي، حتى وصلت إلى العصر الذي فيه تُولد الأفكار بمجرد لمسة إصبع، وهذا واقع جميل لا مستقبل مخيف.

فالتفاصيل الصغيرة تصنع القفزات الكبرى، فمثلاً كنا قبل عقود فقط، عندما نحتاج إلى كتابة كلمة «خالد» على الآلة الكاتبة -المتطورة آنذاك- يعوزنا المكان والزمان والتركيز، وتتطلب معرفة موضع كل حرف، وتمريره عبر أربعة احتمالات على الأقل لشكل الحرف أول أم وسط أم آخر أم منفرد، وفقاً لموقعه في الكلمة.

لم تكن الكتابة فعلاً آنياً، بل عملية تتطلب جهداً بصرياً وميكانيكياً، وصبراً.

ثم جاءت لوحة المفاتيح «الكيبورد» فحررت الكتابة من القيود الميكانيكية فيتغير الحرف طبقاً لما بعده وقبله تلقائياً، واليوم، لم نعد نحتاج إلى كتابة الحرف كاملاً، فالكلمة تتوقع نفسها، والجملة تُستشرف قبل اكتمالها، والمعنى يكتمل قبل أن يُنطق، وهذا ليس سحراً، بل «ذكاء اصطناعي» يفهمنا إن كنا نفهمه.

«الذكاء الاصطناعي»، ليس مجرد نقلة تقنية، بل هو تطور طبيعي لسلسلة من الممكنات التي صنعها الإنسان عبر التاريخ، فكل مرحلة من مراحل التطور البشري كانت قائمة على أدوات: من المطرقة، إلى الطابعة، إلى معالجات النصوص، إلى الأنظمة الذكية التي لا تكتفي بفهم اللغة، بل تولّدها، وتحللها، وتقترح، وتعيد الصياغة، وتخلق المعنى.

لكن هذا كله، في جوهره، ليس بديلاً عن الإنسان المبدع، فالذكاء الاصطناعي مهما تقدم لا يبدع من العدم، فهو لا يُلهم، ولا يحلم، ولا يتألم، ولا يكتب لأن فكرة نبتت في قلبه.

بل هو مرآة تعكس، ومحرك يُسرّع، وأداة تُتقن، شأنه شأن الآلة الحاسبة ومشتقاتها!

الخوف من الذكاء الاصطناعي، أو ما يُعرف بـ«فوبيا الآلة الذكية»، هو في جوهره شكّ في القدرة، وخوف من المستقبل لا من التقنية.

يخشاه الموظف الذي لا يتعلم، والكاتب الذي لا يطوّر أدواته، والكسول الذي توقّف عند نقطة واحدة من ذاته.

لكن الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي، لا يُقصي المبدع تحديداً، بل يعظّم أثره، ويثري قدراته، ويبرز قدرته، لكن ذلك يتطلب براعة ذكية في هندسة الأوامر والتعمق في توجيه الـAI، فما ينجزه العقل البشري في ساعات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوسعه في دقائق، ويُعيد ترتيبه، ويُنمذجه، ويختبره في بيئات متعددة.

في مجالات مثل التحليل، والإحصاء، والرقمنة، والتنظيم، والتوجيه، وحتى التنبؤ، أصبح الذكاء الاصطناعي عنصراً لا يمكن تجاهله.

لكنه -ورغم كل قدراته- ما زال يحتاج إلى الفكرة الأولى، إلى الجملة الأولى، إلى المعنى الذي ينبض من عقل بشري وحسّ إبداعي..

وإذا أردنا حقاً أن نستثمر في الذكاء الاصطناعي، فعلينا أولاً أن نستثمر في الذكاء البشري، فمن دون عقل مبدع، لا معنى لأعظم آلة. ومن دون فكرة، لا قيمة لأذكى خوارزمية.

الذكاء الاصطناعي، في نهاية الأمر، ليس خصماً.

بل هو الامتداد التقني الطبيعي للكاتب، والمصمم، والمفكر، والمبتكر، لكل من عرف أن الإبداع الحقيقي لا يمكن اختزاله في شفرة وبرمجة.
00:05 | 25-07-2025

عِش اللحظة.. فإنها الحياة

كم من يومٍ مرّ بنا ولم ننتبه له؟ كم صباح أشرق علينا ونحن نغلق أعيننا عن نعمٍ لا تُقدَّر بثمن؟ الحقيقة أن أجمل اللحظات في حياة الإنسان ليست دائماً تلك الكبيرة اللافتة، بل هي التي تمر بهدوء، بلا ضجيج.. تلك اللحظات التي تعيشها بكامل صحتك، دون ألمٍ ينهش الجسد، أو همٍّ ينهك القلب، أو سجنٍ يقيد حريتك، أو قيدٍ يمنعك من الحركة.

أن تستيقظ صباحاً دون ألم في رأسك أو صدرك، أن تفتح عينيك فترى النور، أن تتحرك بين غرف بيتك، تخرج، تتنقل، تقرر وحدك إلى أين تذهب ومتى تعود.. تلك حرية قد لا يشعر بعظمتها إلا من فقدها. أن تنام ليلك مطمئناً، دون خوفٍ أو جزعٍ، دون إزعاجٍ أو تهديد، هذا ليس أمراً عادياً، بل هو نعمة خفية، لا يلتفت لها كثيرون.

صحيح أن المرض، والموت، والفقد، والحزن، كلها أمور حتمية، وسنة من سنن الحياة، لكن الأيام التي تمر دون أن تزورنا تلك المنغصات، ليست مجرد أيام «عادية»، بل هي فرص نادرة يجب أن تُحتَفى بها. كل يوم يمر دون فقد أو وجع أو قلق أو عجز، هو يومٌ عظيمٌ، ونعمةٌ تستحق الحمد، تستحق السعادة، وتستحق أن تُعاش.

لكنّ التحدي الحقيقي ليس فقط في امتلاك هذه اللحظات، بل في أن ننتبه لها، أن نُدرك قيمتها ونحن نعيشها، لا بعد أن نفقدها. أن تستمتع بكوب القهوة الصباحي، بصوت من تحب، بلحظة صمتٍ هادئة، بنسمة تمرّ على وجهك، هذه مهارة لا يجيدها إلا القليل.

لا تُرهق قلبك بما لم يأتِ، ولا تكدّ ذهنك في الغد حتى يفقد طعمه اليوم. التفكير العميق في المستقبل، سواء كان دراسة، وظيفة، أو مشروع حياة، إذا طغى على جمال اللحظة، فإنه يسرق منك الحاضر.. وقد لا يضمن لك المستقبل.

عِش اللحظة.. بكل ما فيها. تجاهل السمّين في حياتك، أولئك الذين ينفثون إحباطهم كلما تكلموا. تجنب المثبطين، وتجنّب الحديث معهم عن أحلامك.. لا تعطهم مفاتيح روحك.

انظر إلى المستقبل بعينٍ ترى الأمل، لا بعينٍ تَحصي العراقيل. ففي كل موقف، مهما بدا عادياً، تكمن فرصة.. فرصة لأن تتألق، لأن تُبدع، لأن تنجح. فالكفاءة تُبنى، والرزق يُقسَم، وما بينهما طريقٌ لا يُقطع إلا بروحٍ ممتلئة بالثقة.

كل لحظة تعيشها -دون وجع، دون قيد، دون حزن- هي حياة صغيرة كاملة، فلا تجعلها تمرّ مرور العابرين.. بل عِشها كما لو أنها اللحظة الوحيدة التي تملكها؛ لأنها -في الحقيقة- كذلك.
00:02 | 11-07-2025