بعد نهاية حفلة الفنان عبدالله المانع الأسبوع الماضي على مسرح عبادي الجوهر أرينا، لم يكن السؤال الذي بقي في ذهني: كيف غنّى عبدالله المانع؟ بل: كيف وصل إلى مسرح يحمل اسم عبادي الجوهر وهو بهذا الأداء الفني المتواضع؟

هذا السؤال لا ينتقص من حق أي فنان في الغناء، لكنه يضع معيار الاختيار تحت المجهر. فالمسرح الذي ارتبط باسم أحد أهم الأصوات في تاريخ الأغنية الخليجية ليس مجرد موقع لإقامة الحفلات، بل رمز يفترض أن يعكس مستوى فنياً استثنائياً، وأن يمنح الجمهور تجربة تتناسب مع القيمة التي يحملها اسمه.

ما ظهر في الحفل -من وجهة نظري- لم يكن أداءً ينسجم مع هذا السقف.

الإمكانات الصوتية لعبدالله المانع بدت محدودة وتجلى تواضعها في أغنية «يا خوي»، والحضور المسرحي لم يكن قادراً على قيادة الأغنية أو منحها ثقلها، فيما غابت التفاصيل التي تصنع الفارق بين مطرب يؤدي الأغنية، وفنان يملك أدواتها.

الأمر لا يتعلق بعبدالله المانع وحده، ولا حتى بعبدالعزيز الضويحي الذي أنقذ شيئاً من ليلته، وإنما بالرسالة التي تبعثها هذه الاختيارات.

فإذا كانت خشبة تحمل اسم عبادي الجوهر تستقبل مستويات كهذه، فما الذي بقي من خصوصية هذا المسرح؟ وما الذي يميّزه عن أي منصة غنائية أخرى؟

النقد هنا لا يتجه إلى الأشخاص بقدر ما يتجه إلى فلسفة الاختيار. لأن الفنان يقبل الفرصة بطبيعة الحال، أما من يملك حق الاختيار، فهو من يتحمّل مسؤولية المحافظة على قيمة المكان ورمزيته.

تجارياً لا يمكن الحكم على نجاح الحفلة من عدمها مع غياب تفاصيل الأجور والتشغيل، لكن فنياً لا يحتاج صاحب ذائقة فنية أصيلة إلى وقت ليصنّفها بحفلة متواضعة الأداء.

القضية في النهاية ليست حفلة انتهت، بل معيار يتغيّر. وعندما تتغيّر المعايير، تصبح الأسماء الكبيرة مجرد لافتات للجذب، بينما تفقد المسارح تدريجياً الدور الذي أُنشئت من أجله؛ أن تكون عنواناً للجودة، وجذباً للجمهور، لا مجرد محطة في روزنامة الحفلات.

ما أثار استغرابي أكثر من مستوى الحفل، تلك المحاولات التي أعقبت الأمسية لصناعة انطباع مختلف عنها من إعلاميين أو متطفلين على المهنة.

قرأت إشادات، وشاهدت عبارات غير منطقية، وكأن المطلوب إقناع الجمهور بأنه عاش ليلة استثنائية، بينما ما قُدّم على المسرح لا ينسجم -في تقديري- مع هذا الوصف.

وظيفة الصحافة الفنية ليست أن تمنح شهادات نجاح لشيء لم ينجح، ولا أن تتحوّل إلى ذراع للعلاقات العامة.

دورها أن توثّق، وأن تقيّم، وأن تقول: هنا أصبت، وهنا أخفقت. لأن المجاملة قد تمنح الحفل وهجاً لساعات، لكنها تضر بالمشهد الفني لسنوات.

المؤسف أن بعض الخطاب في الصحافة الفنية اليوم لم يعد يراجع العمل الفني، بل يراجع ردود الفعل عليه، ويكتفي بترديد مفردات من قبيل «ليلة استثنائية» و«نجاح كبير» و«حضور مبهر»، حتى أصبحت هذه العبارات تُكتب قبل أن يُرفع الستار.

الفن لا يحتاج إلى من يصنع له هالة، بل إلى من يحمي معاييره.