لا أستحضر هنا اسمَ ناقدٍ عابرٍ في سجل الثقافة السعودية، بل استدعي حالة ثقافية فريدة لعقلٍ شجاعٍ، وأديب نبيل ورجل رفيع في إنسانيته وعطائه، أدرك مبكراً أن الكلمة التزام، وأن النقد ممارسة وعيٍ لا زينة خطاب أو سجالات في صوالين الثقافة وأمسياتها. أديب أسهم في تشكيل الحس الأدبي الحديث، وخاض معركة التجديد وصراعات الحداثة بثبات من يرى في السؤال الصعب شرطاً للتقدّم، وفي الرد على المتشنجين لباقة أدبية تستلهما أجيال لتصنع مشهداً ثقافيّاً مختلفاً.

انحاز السريحي إلى الحداثة باعتبارها أفقاً معرفياً منضبطاً، وقرأ التراث بوعيٍ تاريخي، وتعمّق في الحداثة بصرامة منهجية لواقع لا بد أن يكون (فكان) شاهداً على ازدهارها، لم يأسره تيار، ولم يحتجزه انتماء ولم تحكمه أيديولوجيات؛ لذلك جاء حضوره في سجالات الثمانينات والتسعينات حاسماً وواضحاً، فواجه خطاب التشدد الذي خلط بين الاختلاف والاتهام، وتحمّل محاولات التشكيك في نزاهته الأكاديمية، كما روى بنفسه، ومع ذلك صان الخلاف من الانزلاق إلى الخصومة، وأبقى الحوار في دائرة الحجة، آمن بأن الثقافة تبنى بالبرهان، لا بالتشهير والتعامل بالمثل.

لم يكتب من برجٍ معزول، بل عاش النص وعايش أصحابه على حصير الأدب البسيط الشيق، ففي حديثه لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يقود مستمعه وقارئه إلى منطقة المعنى، يفتح طبقات الدلالة ويسافر بك إلى آفاق لذيذة من جمال المفردات بنكهة جاذبة وإلقاء باذخ في رصانته ونبرته ومخارج حروفه الفريدة، فيعيد للكلمة طاقتها وبهاءها وكأنك تسمعها للمرة الأولى. جمع في حضوره بين ثقة العارف واتزان الحكيم، وأشرك محاوره في توليد الفكرة، ولم يفرضها عليه، وكتب بلغة تجمع الدقة والصفاء. التزم المنهج، ولم يتخلَّ عن حساسيته الجمالية وجعل من النص النقدي عملاً نابضاً بالحياة؛ لأنه يرى في العمل الأدبي كائناً يُفهم قبل أن يُحاكم، ويُقرأ قبل أن يُصنَّف.

برحيل الناقد والأديب الكبير سعيد السريحي -أبي إقبال- خسر المشهد الثقافي صوتاً عقلانياً رفيعاً وفريداً، وحضوراً لا يتكرر، وفراغاً لا يملؤه غيره، لكن بقي أثره الطيب ليترك درساً ملهما: النقد شجاعة فكر، والاختلاف قيمة، والكلمة الصادقة فعل بناء، والنبل حين يتجسّد يكون على هيئة (السريحي).