-A +A
عقل العقل
فكر الصحوة خبأ قليلاً لكنه لن يموت ويتلاشى بهذه السهولة، صحيح أن الجهات الرسمية ومن أعلى المستويات تنفذ سياسات واضحة ومحددة للقضاء على هذا الفكر المتشدد الإرهابي، إلا أن الفكر الصحوي متغلل بالمجتمع وخلق أجياله من عقود مضت، هؤلاء ينظرون للمجتمع أنه خارج عن الإسلام والتقاليد والأعراف، طبعاً هذا التنميط من قبلهم للمجتمع ليس وليد اللحظة، نحن نتذكر مثلاً حملات التخويف من الابتعاث قديماً بأنها حالة من التغريب وطمس الهوية الدينية للمجتمع، وحملاتهم على تيار الحداثة في أوج سيطرتهم في العقود الماضية، أما فكرة قيادة المرأة للسيارة فكان من ينادي بها يعتبر خارجاً عن الدين، طبعاً بمفهومهم، كلنا يتذكر الحملات الممنهجة ضد بعض المسلسلات الرمضانية «الكوميدية» التي كانت لديها الجرأة والمساحة لنقد بعض الممارسات لبعض الأجهزة ذات الصبغة الدينية مثل هيئة الأمر بالمعروف.

لدينا وبيننا فئات ليست بالقليلة ما زالت تؤمن بالفكر الصحوي، وقد يكون إيمانها نابعاً من اندفاع ديني ساذج بسبب بعض الحملات الممنهجة من كوادر الصحوة في الداخل والخارج الذين يستغلون طيبة وبساطة البعض في تصوير ما يحدث في البلد وكأنه انقلاب ضد الدين، ولكن المشكلة باعتقادي أن هؤلاء فقط يرون ويؤمنون بإسلامهم السياسي فقط صاحب المشروع والفكر الإخواني، كلنا يتذكر الحملات الشرسة التي تنظم في وسائل التواصل الاجتماعي ضد الفعاليات المتنوعة التي شهدها موسم الرياض مثلاً والتي تشهدها دول محددة كانوا هم يقصدونها، فالقضية ليست دينية بالنسبة لهم إطلاقاً، إنها تدخل في سياق التوظيف والتأليب السياسي على الدولة والمجتمع بأكمله، في شهر رمضان واستغلالاً للأجواء الروحانية تكثر حملاتهم ضد بعض المسلسلات التلفزيونية والتي تصور المرحلة الظلامية لسيطرة الصحوة على المجتمع مثل هذه الأعمال هي تذكير للمجتمع وخاصة للأجيال التي لم تعش فترة الصحوة الظلامية بأن هذا الخطاب البكائي لا علاقة له بالدين بل هو سياسي بامتياز له تقاطعاته مع جهات عالمية وإقليمية، من وجهة نظري أن أكثر مسلسل فضحهم وبطريقة فنية هو مسلسل «العاصوف» الذي يؤرخ لمرحلة عقود قبل الصحوة كان المجتمع يعيش بطبيعة وتوافق إنساني كما أي مجتمع آخر، ولكن لظروف سياسية داخلية كحادثة الحرم والثورة الإيرانية والغزو السوفيتي لأفغانستان، تغير حالنا وتغير خطابنا الديني المتسامح البسيط إلى خطاب ديني عنيف يهدف إلى تصحيح وتحرير كل مشاكل العالم ما عدا مشاكلنا الداخلية فإن هذا التيار ورموزه كانوا يستثمرونها في سبيل مشروعهم السياسي، كلنا يتذكر حملات التبرعات عند المساجد وفي كل المنافذ المتاحة والتي تحول الملايين للخارج لنصرة الضعفاء في بعض الدول ولكن المحتاجين بالداخل محرومون منها.


يجب علينا عدم الانخداع ببكائية بعضهم وأن الدين مستهدف، والغريب أن الإعلان عن مشاريع الدولة بما يخص خدمة الإسلام كما مشروع مسجد قباء الذي أعلن عنه سمو ولي العهد في المدينة المنورة الأسبوع الماضي لا يعنيهم ولا يهمهم.

الصحويون الجدد هم عصريون بحياتهم وطريقة معيشتهم، يسافرون لبلاد الغرب ويحذرون البقية من الذهاب إلى هناك للسياحة أو الدراسة خوفاً على عقيدتهم، يذكروننا بقادتهم في تلك الحقبة البائسة عندما كانوا يدعون الشباب للجهاد في بقاع الأرض وأولادهم يدرسون في أفضل الجامعات الغربية العلمانية، البعض منهم بدون لحية وشكله عصري ولكن الفكر هو الفكر الصحوي المنغلق الكاره للمجتمع والطامح للسلطة.

باختصار، الصحويون الجدد موجودون، بعضهم يحمل الفكر الصحوي الإقصائي ينتظر الفرصة أو حتى يعمل بجد ونشاط في التشويش على مشاريع التحديث الاجتماعي التي نمر فيها، وخاصة كل ما له علاقة بقضايا المرأة، الغريب أن بعض المحطات التلفزيونية المؤثرة والتي لها دور في قضايا التنوير الاجتماعي من خلال برامجها وخطابها الإعلامي تقوم الآن باستقطاب بعض رموز الصحوة، وهذه الخطوة تحتاج إلى إعادة تفكير.