-A +A
محمد الساعد
محاولة بعض الأمريكان البيض التخلص من فواتير العبودية التي لحقت بأجدادهم، حق أمريكي خالص لا ينازعهم فيه أحد، لكن المزايدين من القومجية العربية والإسلامية السياسية وحريم السلطان الجدد، عليهم أولا قبل أن ينظروا في حقوق الإنسان الغربي، أن يتخلصوا من عار العثمانيين الذي أثخن الملايين من الأطفال والنساء بعار الاستعباد واليتم الممنهج، هذا فضلا عن قتل ملايين البشر من الأرمن والأكراد والعرب لأنهم يخالفون في العرق، في جرائم قاسية لم يرتكبها أحد من البشر إلا هم.

ولأن العديد من اليسار العربي وفلول أوباما والعثمانيين الجدد يدافعون عن قضية الأمريكي “جورج فلويد” فلا مانع من تذكيرهم بالقليل من بشاعات العثمانيين، لعلهم يدينونها كما يدينون قصص المُستعبدين القادمين من أفريقيا، أليس أسيادهم العثمانيون أولى بالمعروف، وأولى بالاعتذار لملايين للشعوب الذين اختطف أولادهم وبناتهم واستعبدوا على أيدي العثمانيين.


فما هي قصص العبيد العثمانيين، أو من يسمون بالانكشاريين الذين استعبدهم السلاطين، وأيُ آلام حملوها وكيف استمرت أكثر من خمسمائة عام حتى سقوط الدولة العثمانية، وهم الذين تحولوا إلى مكون أساسي في السياسة والقصور والجيوش العثمانية.

ابتكر السلطان العثماني مراد الأول أول مليشيا عسكرية سميت بالانكشارية، وبقيت طوال قرون أكثر الفرق مكانة وحظوة داخل القصور، وتشكلت في بداياتها من أطفال أيتام يجلبون من الدول والبلدان التي يحتلها العثمانيون، وهم في أغلبهم من الأسر المسيحية الأوروبية والبلقانية وضم إليهم في ما بعد الكثير من الأطفال العرب بعدما سيطر العثمانيون على العالم العربي في عهد سليم الأول.

ومع ذلك فإن للانكشاريين أنفسهم قصصا تدمي القلب مخلفين وراءهم الكثير من حكايات الفقد واليتم المبكر والترويع بعد خطفهم عنوة من صدور أمهاتهم وآبائهم وأسرهم.

استطاع السلاطين ملء قصورهم بمئات الآلاف من الأطفال العبيد، وقسم هؤلاء كل إلى جنسه، فالبنات الصغيرات تحولن إلى إماء في حرملك السلاطين وأمراء بني عثمان يستخدمن للجنس، أما الأطفال الذكور فلهم مهام أخرى، فمن يتم خصيهم يوضعون داخل الحرملك لخدمة الأميرات والزوجات والمحظيات، وأما الجزء الأكبر فيتم تحويلهم إلى فرقة عسكرية داخل الجيش العثماني سميت بالانكشارية، ويتم تربيتهم تربية عثمانية عنصرية مضادة لكل الأعراق الأخرى، على أن يكون السلطان والدهم الروحي، وأن تكون الحرب صنعتهم الوحيدة.

كان عماد الانكشارية من الأطفال صغار السن خاصة ممن يكونون دون تسع سنوات، وأوكل للجيوش التركية -خلافا لاحتلال الأراضي- جمع أكبر عدد من أولئك الأطفال ليكونوا “بنكا للعبيد” في إسطنبول، حتى وصل عدد من يتم اختطافهم ما بين 8000 و12000 سنويا حسب كثير من المصادر، ومن ثم يتم ترحيلهم إلى معسكرات الجيش حيث يتم فرزهم وتغيير لغتهم الأم وتربيتهم تربية قاسية ومتوحشة جدا ومن ثم تدريبهم على فنون القتال العنيفة بلا رحمة ولا أخلاق.

هؤلاء الأطفال الذين نزعوا من صدور أمهاتهم وآبائهم تحولت قصصهم مع مرارة الفقد والحرمان إلى وقود من الكراهية التي لا يمكن تحملها ووصفها، تلك الحماسة والعنف ساعدت العثمانيين على حكم الشعوب التي احتلوها بالحديد والنار بواسطة فرقة استُعبدت وظُلمت فأشعلت النار في نفسها وفي من واجهها.

استخدم العثمانيون الانكشاريين كفرقة متقدمة ضمن قواتهم العسكرية للتصفية والقتل والإبادة، وتفتح الطريق أمام القوات التركية التي تصل بعدما يكون الانكشاريون قد مهدوا الطريق أمام الجيش وتحملوا صدمة القتال وفيهم أكثر الخسائر، لقد حافظ العثمانيون على سلامة العرق التركي مضحين بدلا منهم بالمرتزقة والانكشاريين، وهي سياسة تركية لا تزال قائمة حتى اليوم، فما يحدث في ليبيا وسوريا من استقدام للمرتزقة والزج بهم في حروب تركية بدلا من إرسال الجيش التركي هي نفس الفكرة السلطانية التي اخترعت الانكشارية وقدمتها بديلا عن الجيش العثماني.

كاتب سعودي

محمد الساعد

massaaed@