-A +A
محمد مفتي
التنمر الإداري ظاهرة خفية وعلنية، كامنة خلف ركام العمل الإداري ومتخفية في العديد من مظاهره، وهي نوع من أخطر أنواع الأمراض الإدارية، وتعتبر الباب الخلفي للفساد الإداري الذي يفضي في غالبية الأحوال للفساد المالي، والتنمر الإداري يوجد في جميع البيئات الإدارية في القطاعين العام والخاص، وقد يتخذ طبيعة ممنهجة ممتزجة بنزعات سادية يشوبها الغرور والأنانية وحب السيطرة، ولكنها في نهاية المطاف تؤثر على سيرورة عمل المنظمة ككل.

التنمر الإداري مرض إداري يقع عبء مكافحته على عاتق العديد من الجهات، مثل ديوان المظالم والنيابة العامة وهيئة الرقابة ومكافحة الفساد، وقد يتسبب في بعض الأحيان في حدوث أضرار نفسية أو مالية متعمدة للموظف، مما يعني أن له منحى جنائياً يقع تحت طائلة القانون، والتنمر -بصفة عامة- مظلة واسعة تضم أطيافاً مختلفة من السلوكيات العدوانية كالتنمر العرقي والمذهبي والاجتماعي والأكاديمي والأسري، غير أن التنمر الإداري يعتبر من أسوأ وأخطر أنواع التنمر، لقدرته على تدمير منظومة التطور بالدولة وتبديد ثرواتها والتأثير السلبي على مواردها البشرية.


للتنمر الإداري صور عديدة؛ منها ما هو لفظي كالتجريح والسباب والترهيب باللفظ أو استخدام صلاحيات المسؤول لإيقاع عقوبة قد لا يستحقها الموظف كالحرمان من الترقية أو تأخيرها، أو لإيقاع جزاءات إدارية لأسباب قد لا تستدعي ذلك، وأسباب التنمر الإداري متعددة، يدور أغلبها حول النزعات السادية وحب السيطرة، ومنها ما يصح أن نطلق عليه «ميكانزم دفاعي» يقوم به المسؤول المتنمر إما لإخفاء قصوره الوظيفي وإخفاقه الإداري، وقد يكون ثقافة راسخة لدى البعض ممن يعانون من نزعات سيطرة خفية يؤججها شغلهم لمناصب قيادية، تبرر لهم التمادي في الاستعلاء وسوء معاملة الآخرين، كالنموذج الذي ألمح إليه المسلسل الإبداعي «مخرج 7».

من المؤكد أن التنمر الإداري بجميع صوره أمر خطير، سواء ظل في حدود التنمر الإداري أو وصل إلى حد الفساد المالي، وسواء كان سلوكاً عارضاً أو ثقافة سائدة، وقد سبق وأن ذكرت في مقالات عديدة بزاويتي بصحيفة عكاظ، أن الفساد الإداري أشد وطأة من الفساد المالي لأنه في حد ذاته يعد بوابة واسعة للفساد المالي، والذي تشن عليه حالياً قيادتنا الرشيدة حملة بيد من حديد، مدفوعة بالتصريح المدوي لولي العهد إنه لن ينجو شخص من قضية فساد.

وعلى الرغم من السلبيات المتعددة لوسائل التواصل الاجتماعي على اختلافها، إلا أن أحد أهم مزاياها تتعلق بقدرتها على توثيق المخالَفات والمخالِفين للأنظمة، وقد شهدنا بالفعل تحويل العديد من المسؤولين لجهات التحقيق المختصة للتحقيق في تجاوزاتهم بحق بعض المواطنين الذين وثقوا تلك التجاوزات، ولا شك أن تلك المواقف الموثقة توضح جزءاً صغيراً من المشكلة وليس المشكلة ذاتها من جميع جوانبها، غير أنها تلقي الضوء على هذه الظاهرة بالغة الخطورة.

لقد أكدت العديد من الدراسات وجود تلك الظاهرة الخطيرة، والتي يتطلب العمل على استئصال شأفتها العمل على عدد من المحاور المتوازية في آن واحد، من أهمها ضرورة تحديد مهام ووظيفة عمل كل فرد في المؤسسة، بحيث لا يتمكن أي مسؤول من التعدي على حق مرؤوسه، مع الاهتمام بصياغة قواعد حوكمة واضحة تحدد طرق ووسائل التحقيق والمحاسبة الداخلية.

وعلى جانب آخر، يمكن تحديد الجهات الخارجية التي يمكن اللجوء إليها للفصل في قضايا التنمر الإداري، والتي قد تكون هيئات مستقلة أو هيئات تابعة لإحدى المؤسسات الحالية، مثل ديوان المظالم أو هيئة الرقابة ومكافحة الفساد أو النيابة العامة، ومن المهم تحديد الإجراءات التي توقع المخالف تحت طائلة القانون، وفي حال إثبات مخالفة تلك القواعد وثبوت واقعة التنمر الصادر من مسؤول أو من أحد تابعيه المتواطئين معه، فإن القضية حينئذٍ يجب أن تنحى منحىً جنائياً لا يتعلق فقط بالحق الخاص، وإنما يتعلق أيضاً بالحق العام.

التنمر الإداري لا يتسبب في هدر الموارد وتدمير الطاقة البشرية على المدى القصير فحسب، بل يدعم ثقافة عدم الانتماء على المدى الطويل، وهذه المشاعر السلبية تصب بشكل مباشر في تدهور معدلات الإنتاجية على المستوى القومي، كما أنها ترسخ الثقافة السلبية للقهر الوظيفي والفساد الإداري مما يحول دون تطويره، مما ينتج عنه تبديد ثرواتنا المادية والبشرية.

* كاتب سعودي

Prof_Mufti@

dr.mufti@acctecon.com