-A +A
حمود أبو طالب
في الوقت الذي كان فيه العبد الفقير إلى الله ينتظر أن تتواضع المحكمة التي نظرت في قضية اغتصاب فتاة الشمال وتوضح حيثيات حكمها المخفف على ثلاثة مغتصبين لفتاة قاصر في جريمة مركبة متعمدة ثبتت فيها الإدانة، تفاجئنا المحكمة الجزائية في جدة بحكم مقتضاه الغرامة بمبلغ أربعة آلاف ريال على موظف من جنسية عربية تحرش بزميلته في العمل، إذ قام بمسكها والالتصاق بها وطلب إطلاعه على صورها، وتمادى إلى طلب تقبيلها «هاتي بوسة»، وهددها بالخصم من راتبها إذا لم تستجب له، ونظراً إلى أنه حافظ للقرآن الكريم فقد قررت المحكمة، رغم إدانته بالتحرش، الأخذ بخيار عقوبة الغرامة، لأنه «وقع في زلة» لو عوقب عليها بعقوبة مغلظة كالسجن فإنها قد تؤثر عليه كونه سيخالط المجرمين والفسدة!

بخ بخ يا محكمتنا الموقرة، وشكراً لك على هذا الإنصاف للموظفة المتحرش بها، والتقدير والاحترام الكبير لشخص منحرف قليل الأدب وسيئ السلوك، لم يردعه حفظه للقرآن عن الانحطاط الأخلاقي، كان حرياً به أن يواجه أقصى وأشد عقوبة. وبودي أن تشاركني المحكمة هذه المعلومة التي ذكرها زميلنا الكاتب الدكتور أحمد الفراج عبر حسابه في تويتر:

في إحدى مدن فنلندا، تحرّش رجل بامرأة بشكل قذر، إذ أمسك بيدها وقال لها kiss me، وأثناء المحاكمة، اتضح أن المتحرش مسيحي متدين ويحفظ كل الأناجيل، وقد أوقع عليه القاضي عقوبة قاسية ومضاعفة، بحجّة أن تعاليم الدين لم تردعه، وكذا استغلال الدين لارتكاب أعمال محرّمة.

الحقيقة أن الدولة قد سنت نظاماً عادلاً وحازماً لمكافحة جريمة التحرش، لكن بعض المحاكم تصدمنا بأحكامها المتساهلة وغير المنطقية التي قد تشجع على التحرش بدلاً من قطع دابره، والأسوأ عندما تلتمس أعذاراً للمتحرشين، لكن الأكثر سوءاً هو عندما يكون التدين شفيعاً للمتحرش بتلقي أخف وأهون عقوبة.

إننا نتوجه إلى وزارة العدل بسؤال مهم:

هل نعزّي أنفسنا في نظام مكافحة «جريمة» التحرش الذي تصر بعض المحاكم على دفنه بعد عمر قصير من ولادته؟

* كاتب سعودي

habutalib@hotmail.com