الشريعة الإسلامية شريعة جامعة بين الدين والدنيا توضح علاقة الإنسان بخالقه وعلاقته بالمخلوقين فكان لابد من القضاء لحل نزاعات المتخاصمين والفصل بينهم، فالقضاء في الإسلام جزء لا يتجزأ من رسالة الحكم وسياسته فلا يستقيم حكم صالح إلا بقضاء صالح، ولا تتم رسالة التشريع إلا برسالة القضاء فكان لابد للناس من قاضٍ حتى لا تذهب حقوقهم. أساس هذا القضاء هو العدل المطلق لذا قيل إن القاضي العادل يسكت الأصوات عن الله وأن القاضي الجائر لتكثر منه الشكايات إلى الله.
ويكفي أن من تولى القضاء فقد ذبح بغير سكين، مؤكدا نبي الأمة أن القضاء أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها. والقاضي له من المميزات والصفات والآداب التي اشترطها الإسلام تكاد ترفعه فوق مرتبة البشر فهو لا يقضي لنفسه أو لأحد أصوله أو فروعه ويرفض الهدية ويسد بابها كما أن القاضي لا يقبل الدعوة الخاصة فهي حرام بإجماع الفقهاء ويكره حضور دعوة الأغنياء ولايخص قوما بالإجابة دون قوم، وإذا كثرت عليه الدعاوى تركها إذا كانت تؤثر على الحكم، وان عليه التحرز من فضول القول حتى لكأنه يعد الكلام عدا، وعليه التسوية بين الخصوم في كل شيء فمن ابتلي بالقضاء فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ولا يرفع صوته على أحد الخصمين وأن يساوي بين الناس في مجلسه ووجهـه وعدله حتى لا يطمع شريف في حيفه ولا ييأس ضعيف من عدله، وعليه أن يقبل على المتداعين بمجامع قلبه بكل هدوء وسكينة ولا يمازح ولا يضاحك ولا يشير إلى أحد بعينه ولا يهمس لخصم دون الآخر ولا ينهـرهما ولا يلقن الخصوم الدعوى ولا الإقرار ولا الإنكار ولا يلقن الشاهد الشهادة ولا أن يتخذ شهودا معينين ولا يقبل شهادة غيرهم ولا يزجر الشهود بل يقربهم ويأنس بهم فالله يستخرج بالشهادة الحقوق ويدفع بها الظلم. وزيادة في منزلة القاضي ورقيه في مدارج الإنسانية الصافية فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يجوز للقاضي أن يبيع أو يشتري في مجلس القضاء لنفسه كما أن عليه أن لا يقضي في حالات الجوع والعطش ومحاولة مدافعة الأخبثين، وأن لا يكون مهموما أو كسلان أو مكتئبا أو في عينيه النوم أو بردان أو في حر مزعج ولا يكون في الجو غبار أو دخان أو رائحة كريهـة منتنة أو منظر يكدر خاطره، تذكرت هذه الصفات الجميلة للقاضي وأنا أدلف إلى مبنى المحكمة في مدينة جدة وصدمني مارأيته في فنائها، أشجار ناشفة نخيل مات واقفا أرصفة مكسرة طرق ترابية، بقايا علب فارغة، أكياس ورقية مهملة لملمها الهواء في ركن المبنى وجدت تحت مظلة مواقف السيارات كومة من العفش والفرش والمعدات وأجهـزة الحاسب الآلي وتواصيل وأسلاك كلها قديمة، أكوام من الكراسي والمكاتب والدواليب خردة بعضها فوق بعض في منظر كئيب لا يوحي بأي راحة للمراجع ناهيك عن القاضي الذي سيواجه جمهورا، كل له قضية يطلب حكم الله فيها. أخرجني من تأملاتي صوت سلاسل وحديد التفت لأرى أحد المحكومين وهو يتحرك في مدخل المحكمة أمام نظرات الآخرين وإشفاقهم وتأثرهم بهذا المنظر نساء وأطفالا وموظفين. وكان من الأجدر أن يكون لهؤلاء مدخل خاص بهم أو تكون محاكمتهم في مبنى السجن. سألت صديقي المحامي له حضور في المحكمة بحكم عمله، عن شركة الصيانة المسؤولة عن المبنى وحديقته وخضرته وأشجاره، وممراته ومداخله وغرفه لماذا لا تزرع مساحات خضراء تغطي منظر التراب، لماذا لا تزرع أشجارا وارفة الظلال لتعطي الظل وتريح النفس وتقي من حرارة الشمس. وعن هذه الخردوات التي تلم الفئران والحشرات لماذا لا يصدر رئيس المحكمة أمرا ببيعها أو يتبرع بها لإحدى الجمعيات أو يأمر بإتلافها، هل مواقف السيارات أنشئت لتكون مستودعات وتقف السيارات تحت الشمس، أين المناظر المريحة التي توحي براحة القاضي واعتدال نفسيته. بابتسامة تحمل ألف معنى، قال لا يستطيع أحد التصرف فهذه ممتلكات دولة لابد من إعلان ولجنة بيع ومندوب من الوزارات المعنية ومحضر إتلاف وإجراءات شرحها يطول. أجبته إن المسؤول عن المكان مسؤول عن قضايا وأموال وذمم أكثر من هذه الخردة بكثير وأهم. أفلا تأمنه الدولة على خردة قيمتها الدفترية صفر قال هذا النظام ولابد من تطبيقه. تركته وأنا افكر في هذا النظام المتعسف والذي وضع بالتأكيد منذ بداية تأسيس الدولة. ومن وضعه كان يفكر بموارد الدولة الشحيحة آنذاك وان الخزينة تحتاج إلى كل ريال. الحمد لله تغير الحال ومجلس الشورى اليوم يدرس نظاما جديدا وعصريا حول نظام ومنافسات المشريات الحكومية معدلا في المادة (16) من هذا النظام ليتماشى مع روح العصر ومعطياته فليته يضمن مناقشته هذه نظاما للتخلص من المواد التالفة في مؤسسات الدولة والوزارات بنظام عصري جديد دون الدخول في هذه البيروقراطية القاتلة التي تسيء إلى مؤسسات الدولة ويزداد الأمر أهمية في مؤسسات القضاء ليتوافق مع تعاليم رسول الله وتوصياته على القاضي ليصدر حكمه بما يرضي الله ورسوله..
كاد القاضي أن يكون رسولا !!
5 أبريل 2014 - 19:47
|
آخر تحديث 5 أبريل 2014 - 19:47
تابع قناة عكاظ على الواتساب
