رحل صدام حسين وأغلق الباب وراءه، تاركاً الأسرار في مكان تائه، لا يدري أحد أين هو. وسيتعب المؤرخون كثيراً لأجيال قادمة في تفسير ما فعل وما لم يفعل، بل لماذا أنبت العراق شخصية مثيرة للجدل مثل صدام حسين. والسؤال الأكثر خطورة، هو هل بيئة صدام هي التي أنتجته واستطراداً هل هي مؤهلة لاستنبات بدلاء وشبيهين، أم أن صدام شخصية فريدة من نوعها لا يقاس عليها، مهما حاولنا التشبيه. هو ستالين العرب حسب خصومه، بل هو جمال عبد الناصر بنظر آخرين، وسيبقى العراك مستمراً بين الفريقين وبكل الوسائل المتاحة. هل هو رجل التاريخ أم هو عبء عليه، سؤال آخر لن نجد الجواب الحاسم عليه من أحد، لكن التاريخ رحب الصدر وله مكان لكل الرجال الذين صنعوا التاريخ، سواء كانوا جيدين أم سيئين، أبطالاً أم سفاحين. وهذا المنظور يسحب نفسه على شخصيات ما زالت حتى اليوم تختلف عليها البشرية، مثل نابليون وهتلر وستالين وآخرين كثيرين.
انتهى صدام حسين أخيراً، بعد سلسلة طويلة من قرارات الإعدام ومحاولات الاغتيال والهزائم العسكرية الشنيعة. والمفارقة أنه ألقي القبض عليه بحفرة، في قرية الدور قرب المكان الذي هرب منه إلى سوريا فمصر بعد محاولة اغتيال الرئيس عبد الكريم قاسم عام 1959، وسقط نظامه في يوم إعدام المفكر الشيعي محمد باقر الصدر في 9 أبريل 2003، ونفذ فيه الإعدام في مركز الاستخبارات العسكرية السابق في منطقة الكاظمية، حيث كان يعدم معارضيه، فهل هي لعنة التاريخ، أم هو الزمن وقد عاد به إلى الوراء؟
في برقية من السفارة البريطانية في بغداد إلى وزارة الخارجية، بتاريخ 15 نوفمبر 1969، وتحت عنوان “صدام حسين التكريتي” جاء ما يلي: “ولد حوالي 1937. برز نجمه أول مرة حين اختارته قيادة البعث عام 1959 لاغتيال قاسم “الرئيس عبد الكريم قاسم”، حيث جُرح في هذه المحاولة. تولى منصب الأمين العام المؤقت لحزب البعث بعد نوفمبر عام 1963. ارتأى البقاء في الخلف منظراً للحزب، صاعداً تدريجياً في سلم الضوء. وفي عام 1969، ترأس الوفد العراقي الذي زار ليبيا عقب قيام الثورة هناك. عُين نائباً لمجلس قيادة الثورة، ونائباً لرئيس الجمهورية في نوفمبر عام 1969، كما تولى منصب نائب الأمين العام لحزب البعث”. والمقربون من صدام ممن عاشوا تجربة حياته الغنية بالأحداث، والذين اصطلوا بنار قسوته الفريدة رغم قربهم منه لسنوات طويلة، يبدون إعجاباً خفياً به، ربما كان نوعاً من الرهبة أكثر منه شعور الود والاحترام. وحتى ألد خصومه كانوا في أحاديثهم الخاصة في سنوات المنفى لا يخفون هذا الإعجاب المغلف بالدهشة من افعال الرجل وقدرته على تجاوز العوائق والأخطار، حيث إن مشعان الجبوري، المعارض سابقاً، والذي يرأس حالياً رئيس كتلة المصالحة العراقية في البرلمان بعد صدام، كان يقول: “إن كل عراقي منا يحمل في عقله صداماً صغيراً”.

صدام يسرق البيض
ويقول الكاتب العراقي سعيد أبو الريش، مؤلف كتاب “صدام حسين: سياسات الثأر”: “نشأ صدام حسين من أسرة فقيرة جداً في قرية العوجة قرب مدينة تكريت. وكان يسرق كي يطعم عائلته حتى إنه كان يسرق البيض والدجاج وأشياء مثل هذه. وبسبب فقره المدقع بقي صدام أمياً لا يقرأ ولا يكتب وهو في عمر العاشرة. سمع أن ابن عمه يعرف القراءة فطلب منه أن يعلمه. وفي فتوته امتشق السلاح وكان خارجاً على القانون، وهنا استخدمه حزب البعث الذي كان يعارض الرئيس عبد الكريم قاسم، فطلب منه المشاركة في اغتياله عام 1959، لكنه فشل وهرب إلى القاهرة. وهناك تقول معلومات إنه اتصل بالسفارة الأمريكية في القاهرة، وأنه تأثر بشخصية الرئيس المصري جمال عبد الناصر. وبالنظر إلى جذوره المتواضعة، كان صدام يتمتع بإرادة مذهلة للاستحواذ على السلطة مع تركيز شديد على أهدافه وقدرة هائلة على تحقيق أحلامه. فلم يردع هذا الرجل أي شيء”.

منهجي غير واقعي
أبو الريش عمل سنوات طويلة مع صدام حسين شخصياً وكان مبعوثه إلى شركات السلاح الغربية، حيث كان جزءاً من المشروع السري لصدام لبناء ترسانة من الأسلحة الكيماوية والنووية، حيث يؤكد أن صدام حسين رجل حالم غير واقعي، لكنه مع ذلك كان مخططاً ومنهجياً في محاولاته لتحقيق أحلامه، وكان واقعياً في ذلك إلى أبعد الحدود. ومع أنه كان رجلاً قاسياً لكنه كان له أتباع كثيرون كذلك. وهو نجح في تكوين صورة معينة عن شخصه طيلة عشرين سنة من العمل الدؤوب، فإذا بكل هذه الصورة تنقلب رأساً على عقب بعد حرب الخليج عام 1990.
“صدام حسين يعتقد أنه يتحدث مع الله، وأن الله أرسله من أجل مهمة معينة على هذه الأرض، وهي قيادة العراق، وجعله نموذجاً للبلدان العربية ثم اجتذاب العالم العربي ليصبح هو زعيمه الأوحد في الأزمان الحديثة” كما يرى أبو الريش، والمفارقة التاريخية هنا، أن الرئيس الأمريكي الذي غزا العراق عام 2003، وأطاح بصدام حسين، وألقى القبض عليه، ثم حاكمه وأسلمه إلى أعدائه كي يعدموه، هو أيضاً لا يتردد في تكرار المقولة نفسها وهي انه “ملهم من الله وأنه لا يفعل شيئاً إلا بإرادته”، وهكذا يتقابل الرجلان على صعيد أيديولوجي واحد، وإن كان متناقضاً على طول الخط.

تلميذ ستالين
ويكشف أبو الريش مسائل أكثر إثارة عن شخصية صدام، فقد استعار من الطاغية الشيوعي جوزف ستالين كل شيء، بل هو أكثر من تمثل بستالين في التاريخ. وكان صدام يحتفظ بمكتبة كاملة عن الزعيم السوفياتي، وقرأ الكثير عنه قبل أن يصل إلى أي منصب. وعندما كان عضواً عادياً في حزب البعث يتردد على مكاتب الحزب كان يقول لرفاقه: “انتظروا حتى أحكم هذا البلد لتروا ما سوف أفعله”. وكانوا هم يسخرون منه بطبيعة الحال، “لكنه كان طرحاً بالغ الجدية”.
يتشابه صدام وستالين بتواضع المنشأ، كما عاش الرجلان في كنف الوالدة، والاثنان لا ينتميان إلى المركز، أي هامشيان في الدولة التي يعيشان فيها، صدام من قرية صيادين نائية، وستالين من جورجيا البعيدة عن مركز السلطة في موسكو. وهما أرادا هندسة المجتمع وتحديثه بالقوة حتى لو سالت الدماء أنهاراً فقد كان صدام مستعداً حسب أبو الريش لإبادة نصف الشعب العراقي إن كان هذا هو ثمن تحقيق الحلم، فيما أباد ستالين ملايين السوفيات في سياق حملة التصنيع الذي قام بها، محاولاً الانتقال بقفزات هائلة من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي.

السفير البريطاني وصدام
في 20 ديسمبر 1969، بعد فترة قليلة من وصول صدام إلى الأضواء لأول مرة، إثر تسلمه منصب نائب الرئيس، وقد كان ظاهراً أنه الرجل القوي في حزب البعث وفي الدولة على حد سواء، وأنه كان صاحب السلطة القوية بخلاف المظاهر الخادعة، تكشف وثيقة سرية أخرى، أرسلتها السفارة البريطانية في بغداد إلى لندن في ذلك التاريخ، معالم مهمة من صفات وأفكار الرجل الذي سيحكم العراق بيد من حديد لعقود آتية. واللافت في نص الوثيقة، أن السفير البريطاني آنذاك الذي أراد اختبار أفكار صدام والتعرف عليه عن كثب، إنما توجه بنصيحة من دبلوماسي سوفياتي في العاصمة العراقية.
تقول البرقية التي تلخص ما جرى في تلك المقابلة على لسان السفير: “استقبلني صدام في مكتبه المتواضع في القصر الرئاسي. تصرفه الظاهر كان يدل على التحفظ، ربما بسبب عدم اعتياده على هذه المواقف. وفي الدقائق الخمس لم ينبس صدام ببنت شفة. وكان طيلة الوقت يحدق في أثناء الحديث دون أن تظهر عليه أي علامة من علامات الانفعال أو التأثر”.
وبعد أن تخطى اللقاء المهلة الرسمية وهو نصف ساعة، تخلى صدام عن تحفظه الأول، وانتحى بالسفير البريطاني جانب المكتب، وراح صدام يتحدث بدفء أكبر وبصدق حسب توصيف السفير. وحين سئل صدام عن سبب الاعتماد الكلي على الكتلة الشيوعية لشراء العتاد العسكري قال صدام: “ليس الأمر بهذه الدرجة من السوء” ثم أردف للسفير: “يمكن أن تكون العلاقات مع بريطانيا أفضل مما هي الآن” لكن حين تطرق الدبلوماسي البريطاني إلى قضية النفط، أطرق صدام كمن يتخذ برهة للتفكير ملياً. وهنا يشير السفير إلى ما يميز صدام عن أقرانه البعثيين أي لحظات التركيز. وفي ختام التقرير الدبلوماسي يفرد السفير البريطاني جملاً معبرة لوصف شخصية صدام حسين المتناقضة بين الشكل والمضمون، فهو عنيد ظاهراً واقعي ضمناً، إذ يقول:”أدهشتني شخصيته الجادة وهو ما يتميز بها عن بقية رفاقه في حزب البعث. لديه ابتسامة جاذبة، تدل على إدراكه للأمور وليست مثل ابتسامات البقية، التي هي أقرب إلى اللياقة الاجتماعية السطحية. هو شاب نافذ عنيد وعضو صلب في هيكلية حزب البعث، لكنه أحد الذين يمكن عقد الصفقات معهم إن لم يكن الوحيد”.