حين كنا صغارا في سن المدرسة، كان من بين ما يدرس لنا في كتب المطالعة وصية ذي الإصبع العدواني لابنه: «يا بني، ألن جانبك لقومك، يحبوك، وتواضع لهم، يرفعوك، وابسط لهم وجهك، يطيعوك، ولا تستأثر عليهم بشيء، يسودوك».
في تلك السن الغضة، ومع غياب المعلمة الفطنة، لم نكن نفهم من تلك الوصية سوى أنها نص أدبي جميل تتمثل فيه البلاغة والفصاحة، فإن زدنا رأينا فيها حثا على التخلق بجانب من جوانب مكارم الأخلاق كالتواضع والبشاشة واللطف، ثم لا شيء فوق ذلك. ما كان يخطر لنا آنذاك ونحن نقرأ تلك الوصية البديعة، أن ذا الإصبع كان يضع قواعد السلوك الديموقراطي الحق الذي يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والرئيس والمرؤوس، في وقت كان العالم فيه لا يعرف سوى القياصرة والأكاسرة والأباطرة وما يرافق تلك الألقاب عادة من سيطرة مطلقة وتسلط واستبداد.
ذو الإصبع العدواني في وصيته تلك، رسم لقومه العرب دستور السلوك الديموقراطي قبل أن يعرفه ويمارسه الغرب بمئات السنين، لكنه كان كمن يصرخ في بئر، لا يجيبه سوى الصدى!! وإذا تذكرنا أن ذا الإصبع العدواني هو من عرب الجاهلية، وقد قال ما قال قبل أن يظهر الإسلام ويضيء بتعاليمه الأسمى التي جاءت لتحدد علاقة الحاكم بالمحكوم على قاعدة من التشاور والتناصح، بعيدا عن التسلط والاستبداد والتفرد بالرأي، أدركنا مدى ما كان عليه ذو الإصبع من حكمة وبعد نظر!!
لكن لا حكمة ذي الإصبع العدواني، ولا تعاليم الدين الإسلامي، استطاع شيء منها أن يخلد ويبقى راسخا في سلوك الناس، فقبل أن ينتهي منتصف القرن الأول للإسلام أخذت تظهر النزاعات والصراعات بين المسلمين، الناجمة من عدم الخضوع لمبادئ التشاور والتناصح، والتهالك الطائش وراء تسلط النزعة البشرية نحو حب السيطرة وفرض الرأي.
خلدت العبارات والألفاظ، وخلد الإعجاب النظري بها والإقرار العقلي بحكمتها وصوابها، أما التطبيق لها والاهتداء بنورها، فذلك ما لم يمكن تخليده!!
وما زلنا إلى اليوم في بعض الدول العربية والإسلامية، نجد أن القاعدة السائدة في سلوك الناس في مختلف صور حياتهم، السياسة والفكرية والاجتماعية، هي التشبث بالرأي الواحد وصم الآذان عما سواه رغم ما يدعيه البعض من وجود أشكال التعددية وحرية الاختيار. فالواقع يؤكد أن تلك الأشكال المدعاة، ما هي إلا صور باهتة لا يتجاوز دورها أن تكون نموذجا آخر من نماذج الانفصال القائم بين النظرية والتطبيق.

ص. ب 86621 الرياض 11622


فاكس 4555382-01


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة