تحتاج إلى أن تكون قد تخطيت الخمسين من عمرك لكي تتذكر قهوة بشيبش، غير ان هذه الخمسين نفسها لا تشفع لك لكي تعرف بشيبش نفسه، ولان بشيبش نفسه وقهوته ليسا ما نحن بصدده فأنت لست بحاجة لأن تعرفه أو تتذكر قهوته.
المهم في قهوة بشيبش انها كانت موقف اتوبيسات «الانيسة» التي كانت تعمل على طريق مكة ابتداءً من باب مكة حتى كيلو عشرة، والذي يهمنا من موقف الاتوبيسات هو تلك النداءات التي تتكرر.. (واحد.. واحد.. باقي واحد) والواحد المقصود هو الراكب الأخير الذي ينطلق بعده الاوتوبيس في خط سيره وعلى بقية الركاب الذين يتقاطرون عرقا ورعبا من فوات مواعيد مدارسهم او اداراتهم ان ينتظروا حتى يصل الواحد المنتظر وإذا ما تأخر وصوله فإن عليهم أن يدفعوا أجرته لسائق الاوتوبيس لكي ينطلق بهم وربما تبرع أكثرهم استعجالاً وضيقاً بتحمل أجرة هذا الراكب المنتظر بدل ضياع الوقت واهدار العرق في الانتظار.
ولست أعرف ما الذي قفز ببشيبش وقهوته إلى صدر هذا الموضوع ما دامت صرخة (واحد.. واحد.. باقي واحد) هي الصرخة التي يمكن سماعها في جميع مواقف الاوتوبيسات وانتظار الراكب الأخير هو الضريبة التي يدفعها الركاب جميعهم في المواقف جميعها.. ولو أن أحدا تحدث في ذلك الوقت عن «ضريبة الموقف» لما فهم أحدٌ أنه يعني أكثر من انتظار الراكب الأخير.. ولم يكن «الموقف» يعني أكثر من «موقف الاوتوبيسات» ولم يكن «الثبات على الموقف» يدل على غير الاحتفاظ بفرامل السيارة «مربوطة» فلا «تتدحدر».. ويبدو ان فكرة «ربط الفرامل» هي الفكرة التي ورثناها من أيام ربط الجمال أو ربط الحمير والفارق الوحيد أنك لا تحتاج إلى وتد أو جدار أو شجرة لكي «تربط» سيارتك بحيث لا تتدحدر.
تذكرت الآن الأمر الذي قفز بقهوة بشيبش إلى واجهة الموضوع ذلك أنها كانت الموقف الذي تنطلق منه السيارات التي توصّل الى الجامعة وعلى طلاب الجامعة أن يبدأوا منه أو يمروا به، والعلاقة بين الجامعة وقهوة بشيبش تتمثل في هتاف (واحد.. باقي واحد) ولأن الجامعة الموقرة مثلها مثل بقية الجامعات، الموقرة كذلك، قد امتلأت بالركاب، أقصد الطلاب، منذ اليوم الأول للتقديم، فإن هتاف (باقي واحد) لا يعني الطلاب الراكبين مجاناً وانما يعني القادرين على الدفع من طلبة ما يسمونه بكليات المجتمع أو التعليم الموازي والذي خصصت مقاعده للقادرين على الدفع وما زال قادراً على الاستيعاب فمددت الجامعات القبول فيه هاتفة (واحد.. باقي واحد).
ولأن العام الدراسي على وشك البدء، والصيف لا يزال مستمراً فإن النصيحة التي أوجهها لهؤلاء الطلاب القادرين على الدفع أن يتحملوا أجرة الراكب أو الطالب المتبقي بدل الانتظار وهم يتصببون عرقا ريثما يكتمل عدد الركاب.
ولهم عند تحملهم أجرة الطالب المنتظر أن يختاروا واحداً من أمرين أولهما أن يتمتعوا بالفراغ الناشئ عن مكانه كما كان يفعل من يدفع عن الراكب المنتظر أويتصدقوا بالمكان على واحد من طلاب «المواصلات» المجانية الذين لم يجدوا مكاناً ويحتسبوا أجر ذلك عند الله.
قهوة بشيبش
24 أغسطس 2006 - 22:39
|
آخر تحديث 24 أغسطس 2006 - 22:39
تابع قناة عكاظ على الواتساب
يكتبها: سعيد السريحي

