جدليات عديدة عاشها الموسيقار سراج عمر في حياته ومشواره مع الفن والموسيقى؛ منها ما له علاقة بالموسيقى وشؤونها ومنها ما له علاقة بأجواء الأعلام والإعلام الفني تحديدا، فاسم سراج عمر اسم فاعل صاحب حياته الحافلة الكثير من الطموح وهو ينتقل من مرحلة لأخرى، إصراره جعله وهو لم يزل بعد ذلك الصبي التواق للفن والإبداع.. كيف لا وهو ابن «قصبة الهنود» في حارة الشام إحدى حارات جدة الأساسية الأربع ثم انتقل إلى الكندرة ثم إلى أن استقر به المقام طويلا طويلا في الرويس التي لم يكن ليفكر في تركها حتى اليوم، حتى أصبح بيت سراج عمر معلما من معالم الحي العتيق في غرب جدة، هذا البيت الذي شهد بسببه الحي دخول كل الكبار في الشأن الثقافي والفني إليه، أولئك المتعاملون مع روح ووجدان سراج الفني مثل: محمد العبدالله الفيصل وبدر بن عبدالمحسن وطلال مداح ومحمد عبده والموسيقار المصري الراحل محمد الموجي وغيرهم.. كان لا بد أن يكون سراج هو ذلك الموسيقار الكبير الذي حقق تلك المكانة التي وصل إليها؛ كونه ذلك المنطلق طفلا من بيئة يملأ الفن أرجاءها، ففنان التراث الكبير الراحل عمر باعشن «العلامة الفارقة» في عالم الأغنية الشعبية السعودية هو ابن عمته مباشرة أما مغني وحفاظة التراث وعازف الرق والمصقع الشهير عرفة صالح باعرفة ليس ببعيد عن الأسرة، ولا يبتعد عن هذا الحي في ممارسته للفن، هذا التشبع بعطاء هؤلاء الكبار زرع في دواخل سراج الفن بكل معانيه، والموسيقى بحروفها السبعة التي صنعت كل ألحان وموسيقى الشعوب، الملفت أن أحياء جدة القديمة نبغ وبرز منها كثيرون ولامسوا الشهرة حتى لو لم يصيبوها بكلها وكليلها، إلا أن قصبة الهنود لم ينطلق منها إلى الشهرة إلا سراج عمر، الذي كان وبحق واحدا من أبناء الجيل الثاني الأبرز الذين ساهموا في صناعة الأغنية السعودية الحديثة إلى جانب كثيرين من أمثاله بعد جيل العميد طارق عبدالحكيم وعبدالله محمد، الذي نلتقي معه في هذا الحوار الرمضاني المطول اليوم.
أحببنا ان تكون البداية مع مشهد رمضاني في طفولة سراج عمر الذي قال: في أمسيات رمضان تطول سهراتنا ونحن أطفالا عن غيرها من الليالي، حيث نقضيها مع «الأتاريك» والألعاب التراثية طويلا ولكن تحت البيت فقط، أما في غير رمضان لم يكن يؤذن المغرب إلا وكل منا في بيته ونحن أطفالا، كانت خريطة حدود سهراتنا «زقاق البيت» فقط ولا أكثر.
• احكي لنا عن البدايات الفنية لديك وحبك للموسيقى طفلا وكيف استطعت التوفيق بين كل تلك الاهتمامات؛ هواية الموسيقى والدراسة ومن ثم العمل وأنا أعرف أنك بدأت حياتك العملية مبكرا؟
- عايشت الفن وعايشني طوال سني عمري حتى أني تناغمت معه في كل المراحل الدراسية والعملية وبعدها، فأنا تركت العمل متقاعدا بشكل مبكر، ولم أزل أتواصل مع الحياة الفنية بشكل لا يجعلني أشعر أنني سأشبع يوما ما من الفن والموسيقى؛ لأنها حياتي التي لا أستطيع الانفصال عنها، لذا تجد أني استطعت وبسهولة ترك العمل في جمعية الثقافة والفنون كمسؤول رغم أني عضو مؤسس، وتركت عملي في الخطوط السعودية وأنا أضحك إلا أن احتضان العود والكمنجة حالات لا يمكنني الاستغناء عنها، وكنت قد بدأت استقاء الموسيقى من اهتمام الوالد بها -رحمه الله- وحفلات النجاح الدراسي التي كان يقيمها لي، أما ثقافتي العامة فكانت من قراءاتي في دهاليز بيتنا قبل أن اضطر لترك الدراسة لمساعدة أسرتي بعد مرض والدي.
• حدثنا أكثر عن حياتك العملية غير ذات العلاقة بالفن؟
- نعم أنا عملت في الخطوط السعودية لمدة 9 سنوات وانتهت علاقتي بها العام 1390 / 1970، كنت في البدء أعمل موظفا وسكرتيرا إداريا في إدارة الوقود، وكان يرأس هذه الإدارة أجنبي اسمه هاري الذي كان يضايقني جداً في عملي، ومراراً شكوته لمديرنا هاشم عينوسة، وكان عملا أصابني بالاكتئاب والملل لأنه لم توكل إلينا أية مهام، وبعد إشراف منظمة أياتا على الخطوط وأصبح مديرنا سراج صقار كتبت طلبا وزملائي في القسم للانتقال إلى الشؤون الفنية، وبالفعل تم الانتقال وعملنا كعمال نصعد فوق أجنحة المروحيات والطائرات لتعبئتها بالوقود بعد أن تم تدريبنا، شعرت بعدها بالارتياح بعد عمل عام كامل دون بذل مجهود يوازي ما نتقاضاه من مرتبات في الإدارة، هنا أيضا لم أجد راحتي التي تتطلبها هوايتي الفنية فطلبت تصفية حقوقي للراحة من العمل لمدة عام وعندما طلبت العودة للعمل كتبت لمدير الشؤون الإدارية رضا حكيم ــ رحمه الله ــ بغية العودة للعمل إلا أنه شرح على ذاك الطلب «غير مقبول عودته إلى العمل بحال من الأحوال» أي قفل الباب تماما أمامي، ورب ضارة نافعة فهنا وجدت نفسي متفرغا للموسيقى والفن.
• كيف كانت ممارساتك الأولى للفن وأين منذ العام 1970؟
- كانت أسرة عبدالصمد في حارة اليمن «عمد الحي» من أهم الأسر المعتنية والمهتمة بالفن، وكان الشيخ محمد عبدالصمد تحديدا في «العيدروس» قد فرغ لنا جانبا من البيت إلى جانب الكراج مساحة للفن نمارس فيها نحن الفنانين هواياتنا، كنت أنا وحسن نوار وعلي هباش ــ رحمهما الله ــ وسامي إحسان وطاهر حسين ويرأس المجموعة محمد العماري، ثم كونت فرقة موسيقية تعمل وتشارك الناس مناسباتهم.
• أي عمل وبمقابل مادي؟
- أنا لم آخذ مقابلا ماديا بينما زملائي كانوا يأخذون وهذا حقهم، فالموضوع عمل وجهد ووقت كبير وأذكر أننا ذهبنا إلى الهدا ــ الطائف لنحيي مناسبة هناك في مخيم، وكان أجرنا فقط ثمانية ريالات فقط للفرد منا، وأنا لم أتسلم كما قلت لك نصيبي إلا أنني كنت في الإذاعة والتلفزيون أتسلم المقابل المادي وكنت أعمل في برامج الأطفال تحديدا تحت إدارة محمد العماري وصافي مفتي، ولكن هنا الأمر كان مضحكا ولا بد أن أورده، كنت أتسلم 3 ريالات عن الدقيقة بينما كان زملائي يتسلمون التعرفة الكاملة 200 ريال عن الدقيقة وإلى الآن أسأل نفسي لماذا كنت أعطى هذا المبلغ الزهيد من مستحقاتي دون غيري.
• أنت صديق للآلات الموسيقية ولكن أين وكيف تلحن وعلى أية آلة؟ ثم كم نود أن تروي لنا قصصا لك مع هذه الآلات؟
- نعم.. أنا أعشق الكمنجة التي عزفت عليها مع كبار الفنانين السعوديين والعرب مثل محمد الموجي ــ رحمه الله ــ إلا أنني ألحن على آلة العود فقط، وفي مستهل السبعينيات الميلادية كنت قد لحنت عملا جميلا للشاعر ورجل الأعمال حاسن القرشي لصالح صوت عودة العودة «يارسول الود» بعد ذلك اتصل بي القرشي حافظا للجميل وقائلا: أنا ذاهب إلى ألمانيا لحضور معرض شامل وكبير هناك، هل تريد أي شيء من هناك؟ طلبته كمنجة إذا وجد، وأتاني بكمنجة فريدة وغالية السعر ورائعة لمحب للتعامل معها.. كنت أشعر بدفئها وأنا أحضنها، دعني أقول لك إن محمد عبده عندما افتتح الاستوديو «4 تركات» الخاص به في جدة «المؤسسة الإلكترونية الحديثة» قبل أن يتغير الاسم إلى صوت الجزيرة كنا جميعا فرحنا بهذا الأمر، أخذتها إلى ستوديو محمد عبده لتنفيذ فكرة كانت تخامرني مع مهندس الصوت يومها أحمد كتامي وهي تسجيل «أكورات» أورج موسيقية في تقسيمة غريبة عبارة عن دمج بينها وآلة الكمان الجديدة التي كنت فرحا بها وبدأت في دمج عزفي على الكمان على الأكورات، فسمع محمد العمل وهو في مكتبه ونحن في الاستوديو وطلب منا إعادة ما قمت به، دعاني إلى مكتبه لنكمل الحديث عن هذه الفكرة ثم نزل بشكل سريع إلى والدته ــ والدتنا جميعا رحمها الله ــ وعاد إلي بهديتين الأولى علبة صفراء وكانت هدية خاصة إلى جانبها «قوس جديد لآلة كمان» ثم الهدية الأكثر دهشة أهداني يومها آلة عود نادرة سورية الصنع، لا يزيد وزنها عن 300 غرام فقط وأنت تعلم ماذا يعني هذا.. يعني أنه عود أكثر من مذهل في صوته، بالمناسبة بعد سنوات طويلة كان محمد عبده في زيارة لي ورأى وسمع العود وأبدى اهتماما بأهميته وسألني من أين؟ قلت له إنه هدية منك! قال: لا لا يمكن أن أهدي مثل هذه التحفة البالغة الأهمية، قلت: تحت أمرك، فتركه لي وما زال هذا العود محشورة سيرته في حديثنا دوما حتى الآن. وعلى فكرة أنا صاحب فكرة التمهيد للقب محمد عبده فنان العرب.
• كيف وهل كان الأمر منظما وسبقه ترتيب؟
- نعم.. في مطلع الثمانينيات الميلادية كنت مسؤولا ومديرا لفروع جمعية الثقافة والفنون في المنطقة الغربية، حتى أن الأوامر للمشاركات الخارجية لفنانينا كنت من يتعامل معها مثل مشاركات فنانينا في ليبيا «حفلات الفاتح من سبتمبر» إلى أن جاءت دعوة من السفير التونسي في المملكة قاسم بوسنينة ــ وكان حينها مسؤولا عن النشاط الثقافي في سفارة تونس في المملكة ــ وطلب مني أن تكون مشاركة المملكة بمحمد عبده والفرقة الموسيقية السعودية على أن يكون ذلك مشاركة من المملكة، وفي ثاني أيام عيد الفطر المبارك دون مقابل مادي لعدم وجود ميزانية للمشاركة فرفعت بالأمر إلى سمو الرئيس العام الأمير فيصل بن فهد ــ رحمه الله ــ فوافق على الفور «كان يهمه جدا العلاقات الثقافية مع الأشقاء والعالم» وتابعت الاتصالات مع محمد الشدي ــ رئيس مجلس إدارة الجمعية وتابعت مع قاسم بوسنينة بناء على الموافقة الرسمية، واشترطت عليه التكريم المعنوي لمحمد عبده كأن تكون له فرصة الحصول على وسام استحقاق من الدرجة التي يراها، اتصلت بمحمد عبده قائلا له: أنت مرشح لتمثيل المملكة في تونس وفي ثاني أيام العيد وعلى فكرة ينتظرك هناك وسام استحقاق، هناك أحيا محمد عبده الحفل وفي ختام الحفل قدمه شاعرنا السعودي الكبير بابا طاهر «طاهر زمخشري» الذي كان يعيش هناك للرئيس بورقيبة بقوله: هذا فنان سعودي له مكانته في قلوب الناس لدينا، فرد عليه الرئيس الراحل بورقيبة: لا هذا ليس لكم وحدكم هذا «فنان العرب» بعد أن قلده بوسام تونسي ومن هنا جاء ضجيج هذا اللقب الذي هو مستحق بلا شك.
• في رأيك ما علاقة بابا طاهر بتونس ؟
- بابا طاهر على علاقة وثيقة بالرئيس الراحل بورقيبة وبتونس، وقبلها كان يعيش في مصر حيث أصدر مجموعته الشعرية «مجموعة النيل» ثم بعد انتقاله إلى تونس أصدر «المجموعة الخضراء» عن وفي تونس، ثم أن هناك علاقة كبيرة تجمعه بالرئيس الحبيب بورقيبة الذي كان ينزل لدى بيت طاهر زمخشري في مكة المكرمة عندما كان منفيا من بلده تونس أثناء الاستعمار، وكان بورقيبة بدوره منح بابا طاهر لقب المواطن الأول في تونس.
• أعرف أن العمل المشترك بينكما ــ محمد عبده وأنت ــ لم يكن في عدده موازيا لحجم أخوة وصداقة كبيرتين امتدت لنحو نصف قرن من الزمان أعرف أن بينكما فقط «يا حبيبي آنستنا» لإبراهيم خفاجي و«حدثينا يا روابي نجد» و«مرتني الدنيا» للأمير بدر بن عبدالمحسن و«تحية الوفود الرياضية» في افتتاح ستاد الملك فهد في دورة الخليج التاسعة لعبدالله الجارالله و«أوبريت التوحيد» مع طلال مداح من أشعار الأمير خالد الفيصل. لكن كيف كانت قصة أول لحن جمعكما؟
- كانت «يا حبيبي آنستنا» هي البداية عندما كان محمد عبده يسكن في عمارة سفر في شارع الميناء أمام ستوديو حلمي، وبجوار إدارة المرور قبل أول عمارة يتملكها في حي النزلة والتي لا تزال والحمدلله. في السبعينيات كنت ومحمد عبده لا نفترق أبدا، وعندما لا آتي إليه تتصل بي والدته طالبة أن أجيء إليه لنتناول الغداء معا، فهو لا يحب أن يكون في ذلك وحيدا، آخذ تاكسي بريالين وأتجه إليه في شارع الميناء، ودعني أقول لك إنه وهو في تلك الشقة الصغيرة إلا أنه كان يمارس أجواء الارستقراطيين فما زلت أذكر استرخاءه بعد الغداء على البانيو «النبيذي اللون» وفي الغالب يكون معنا على الغداء الراحلان عمر كدرس وجلال أبو زيد، يوما ما قلت لمحمد عبده: نفسي ألحن لك، أعطاني شنطة النصوص لديه قلبت ما بها فوجدت نص «يا حبيبي آنستنا» بخط الخفاجي وباللون الأخضر على ورقة زرقاء مهترئة قلت له: هذا أريد هذا، رد قائلا: «إيش تبغى به، هذا النص قديم عندي من 5 سنوات وكان قبل ذلك عند عبدالله المرشدي عشر سنوات» وفي اليوم التالي ونحن مجتمعين عنده محمد والكدرس وأنا بدأت أسمعه اللحن، ولكن في نفس الوقت كان الموضوع رسالة إلى عمر كدرس ــ رحمه الله ــ كنت أريد أن أقول له إنني ألحن بشكل جيد، لا سيما وأنه في ذلك الوقت كان قد أصبح قيمة فنية كبيرة، وبالفعل أعجب اللحن محمد عبده واهتم به الكدرس قائلا: أعد أعد، ثم قال محمد عبده: «استعجل في إكماله سأسافر قريبا وليكن مع مجموعتي الجديدة» أكملت اللحن وقمت بعمل «مزازيكه» وبالفعل سافر محمد عبده ليعود بمجموعة غنائية جميلة هي «ارفع ستار الخجل» للأمير خالد الفيصل و«لا تحاول» من ألحانه وكلمات الأمير محمد العبدالله و«كم على الهاتف» لإبراهيم خفاجي. يومها كان قد تلقى محمد عبده أول هدية ثمينة في حياته.. كانت سيارة «بي إم» حمراء من سمو الأمير محمد العبدالله. فجأة وجدته أمام البيت في الكندرة هو والأمير محمد العبدالله وإبراهيم خفاجي قائلا لي: «هيا نحن ذاهبون إلى بيت الأمير محمد لنسمع المجموعة الجديدة ومن ضمنها أغنيتك» فذهبت معهم وكان يومها بيت سموه في طريق مكة فوجدتهم جميعا يتابعون ملامحي وما قد يطرأ علي وأنا أستمع للأغنية بصوت محمد عبده، ولم يجدوا في وجهي متغيرا وسألوني عن رأيي قلت: حلوة قالوا: بس؟ فقلت وكأني اليوم بين ثلاثتهم طبعا «يعني إيش أقول محمد عبده فنان مهم ولو لم يكن لما طلبت أن ألحن له» ثم بعد ذلك أصبحوا يأخذونني معهم في مناسبات مهمة، ومن هذه المجموعة بدأ محمد عبده في التعامل العصري مع الأغنية بعد أن كان يردد فقط الأغنيات اليمنية القديمة والحضرمية مثل الدانات والمجسات.
• أين موطن وأصول هذه الألوان؟
- عندي شريط كان أصله شريط سلك قبل الكاسيت منذ أيام الشريف عون «أيام الأشراف» عمره نحو 150 عاما سجلته عبر مرورها جدة مجموعة هولندية مهتمة أثناء مرورها إلى أوروبا من المستعمرات الهولندية في شرق الكرة الأرضية، توصل إليه الشيخ أحمد زكي يماني الذي أرسله إلى اليابان، وتمت تصفيته وتنقيته ليصبح جيدا للسماع، وفيه برنامج إذاعي عن الفن والغناء بصوت الشريف عون، وهو عن الغناء في مكة المكرمة، وعندما أهداني الشيخ زكي الشريط استمعت إليه جيدا، ووجدت أن كل الذين يؤدون هذه الألوان من الغناء هم الحضارم، وتحديدا المجس والمواويل التركية، وقليلون هم من قام بذلك بعدهم من مكة المكرمة؛ مثل العم حسن جاوا وعلي شيخ وسعيد أبو خشبة.. أسلوب غناء جميل ولكن بـ «هنك وطعم تركي» إلى جانب أن بعض سيدات ونساء الطائف كن يقدمن «المجارير» والذي هو في أساسه لون يسمى «القصيمي» بضم القاف. الذي بدأ من مكة المكرمة. علمت أيضا أن هذه البعثة الهولندية التي وصلت يومها «أيام الأشراف» إلى مكة حاولت أن تؤسس إذاعة يومها ولكن لم يكتمل المشروع.
• كيف بدأت علاقتك بطلال مداح؟ وهو الذي أصبح توأما لموسيقى وألحان سراج عمر فيما بعد؟
- أنا أخذت محمد عبده إلى طلال مداح في بيته ليلتقيا لأول مرة، ولكن صاحب الفضل الأول هنا صديق مقرب جدا لطلال «أحمد العمودي» وهو حي يرزق الذي طلب منا أن نرافقه يومها لطلال مداح «ايام كان يسكن في جوار مدينة حجاج البحر» في جدة، بعد جلوسنا بدأت أعزف ومحمد عبده يغني ويردد مجسات ودانات، يومها «انبسط» طلال الذي يسمع عادة ويستوعب بشكل جيد قبل أن يبدي رأيه فقام وحضن محمد عبده قائلا: «يا محمد باين عليك حتكون منافس عنيد ليا» خرجنا ذلك اليوم من منزل طلال مداح أنا كملحن ومحمد عبده كصوت لنرى «شلتين» فنيتين في الساحة ــ أقصد شلة طلال مداح «لطفي زيني وحسن دردير والراحل أحمد صادق» وشلة محمد عبده «محمد رجب وأنا وأسماء عديدة» ــ عموما بدأت تتضح هذه الشللية في أول فرح ومناسبة يحييها النجمان طلال مداح ومحمد عبده، وكانت لبيت آل عبدربه في حي النزلة، ثم انتقل هذا التنافس على مستوى شركات الاسطوانات فـ «توزيعات الشرق» كانت تهتم بتوزيع الغناء العربي والتسويق لنجومه هنا في المملكة و«رياضفون» للطفي زيني والشاعر الأمير المنتظر اهتمت بالإنتاج المحلي و«صوت الرجاء» اهتمت بمحمد عبده، وهي من قامت بتسفيره لتنفيذ أغنياته في بيروت والكويت والبحرين، وكان كل ما يريده محمد عبده يتم تنفيذه إلى انسحاب الشركة من السوق بعد إفلاسها.
• حدثنا عنك وطلال رحمه الله؟
- في العام 1970/1390 قدم المخرج الكبير في تلفزيون الرياض فوزان الفوزان بإعداد وإخراج مسرح غنائي للتلفزيون، جمع فيه كل فناني المملكة الكبار؛ طلال ومحمد وفوزي وسعد إبراهيم وغيرهم وأنا مدعو ولكن ليس لدي قيمة التذكرة إلى الرياض، وهنا أصر فوزي محسون أن أرافقه بسيارته فذهبنا إلى الرياض ــ فوزي محسون وعبادي الجوهر «الفنان الشاب يومها» والعم حسن سلامة «والد ياسر سلامة» وأنا ــ وسكنا هناك في فندق البطحاء «غرفة واحدة بسرر أربعة» بينما سكن طلال في فندق آخر كبير، عموما غنى لي يومها طلال ــ رحمه الله ــ على المسرح أول عمل بيننا وهو نص أحمد عبدالغني بنونة ــ رحمه الله ــ الذي تعرفت إليه مسبقا في مكة المكرمة التي هو منها، بينما كان يعمل في مجلس الوزراء في الرياض وهو صديق مشترك لي ولزميلي محمود خان وكانت أغنية «ما تقول لنا صاحب» التي قدمها طلال على المسرح يومها إلى جانب أغنية للشاعر فالح «أحلى الليالي تراها ليلة الجمعة» من ألحان طلال خرجنا يومها من المسرح ونحن كلنا نشوة وفرح بنجاح الأغنية، وعندما استمع إليها شاعرها أحمد بنونة «ونحن في بيت أبوبكر سالم بالفقيه» دمعت عيناه من مدى التأثر الأمر الذي كشف عن خصوصية النص لديه، بعد ذلك توالت الأعمال مع طلال، حيث كونا ثلاثيا مع شعر الأمير محمد العبدالله الفيصل «أغراب» وهي أول أغنية ألحنها من أشعاره؛ أنادي ع اللي غدا في الليل، كلمني عن الهوى، لا تقول، مقادير، لا وعد، والله وهنيا لك يا الأهلي يا الأهلي وغيرها.. إلى أن واصلنا كثلاثي في «أبي ليل، باختصار، أبي منك العذر» أما أنا وبدر بن عبدالمحسن لصالح حنجرة الجمال والإبداع طلال مداح فكانت «عندك أمل، لا تنسانا يا أغلى الناس، روحي هوى السودة، عز الكلام، غربة وليل، هدي خطانا يا هوى، مري علي قبل الرحيل، انا بودي، يا هلا هذا قمرنا، ياويلاه ياليالي، هلي الجدايل، نام الطريق، وعدتيني وتركتيني، الموعد الثاني، ما أطولك ليل، العشق، الله يعلم، من أربع ليال، لا تعاتب، ليلكم شمس، الاختيار، ياكريم، لك الله يا العاشق المحروم، يادارنا عزك يدوم، الله يرد خطاك التي كان يشدو بها طلال حين باغته الموت وهو على مسرح المفتاحة، وهذه الأغنية شدا بها كثيرون أولهم طلال وآخرهم طلال وبين طلال وطلال كان محمد عمر وعتاب وعايدة بوخريص وابتسام لطفي وغيرهم .
• قبل أن نذهب بعيدا عن ذكر فوزي محسون كنت واحدا ممن لحنوا لفوزي ــ رحمه الله ــ وهو الملحن الكبير ؟
- نعم كانت أغنية «مين فينا ياهل ترى» وهي أغنية مذهبية اللحن «كتب بيتها الأول شاعر الطائف الجميل يوسف رجب ثم أكمل النص كل من بدر بن عبدالمحسن وثريا قابل وصالح جلال، أيضا شدا بها غير فوزي كل من: طلال مداح وعبدالمجيد عبدالله الذي كان يرددها في بداياته مع الغناء في العام 1984 وغيرهم .
• ما هو المقام الموسيقي الذي يأسرك كملحن؟
ــــ عشقت مقام الرصد من صديق ابن عمتي الشريف علي راشد وتعلقت بهذا المقام لدرجة أني أعزفه في الهزيع الأخير من الليل، ويأتيني رجع الصدى عندما أتعامل مع درجة «الدو».
بداية تعاملك مع أشعار الأمير محمد العبد الله الفيصل
• بداية تعاملك مع أشعار الأمير محمد العبد الله الفيصل، كيف كانت وفي أي أغنية ولمن؟
ــ كنت ألحن وبصورة مستمرة أشعار الأمير بدر بن عبد المحسن فور تعاملي مع النص في الوقت الذي يكون لدي الكثير من النصوص للأمير محمد العبد الله، ولم أتعامل معها موسيقيا إلى أن كنت يوما لدى سموه وأعطاني نص «أغراب»، وهنا أعجبني النص جدا ووقفت قائلا: سمو الأمير الآن بدأت تكتب أغنية، والآن سألحن لك.. غضب وأذكر أنه ربما كان سيضربني، المهم لحنت النص في ليلة واحدة وذهبت إليه لأسمعه اللحن، فوجدت عنده ثلاثة ضيوف كلهم ملحنون محمد عبده وسامي إحسان وعمر كدرس ــ رحمه الله، قال لي ها أيش عندك قلت: أريد أن أسمعك اللحن، قال هيا سمعني قلت لا.. يجب أن نكون دون آخرين، فهذا لحن وهذه أفكار موسيقية.... فهم ثلاثتهم الموضوع فاستأذنوا مغادرين وأسمعته اللحن، أعجب به جدا، فقال من سيغنيه؟ قلت طلال مداح، قال ومن سيعرض العمل على طلال أو يأتي بطلال، قلت أنا، وبالفعل ما أن استمع طلال ــ رحمه الله ــ العمل حتى سجلناه وولدت أول أغنية بيني والأمير محمد العبد الله الفيصل «أغراب».
• ما هي قصص تلحينك «سرى ليلي» للكويتي مصطفى أحمد، «تو السهر زان» للبحريني إبراهيم حبيب؟
- سرى ليلي لبدر بن عبدالمحسن وتو السهر زان لمحمد العبدالله كنت في القاهرة ألحن الأولى وفي صالون محمد العبدالله لصالح صوت عتاب بحضور محمد الموجي الصديق الأقرب للأمير في القاهرة، والذي كان معجبا جدا بلحني لعودة العودة «دنيا العيون» لبدر بن عبدالمحسن والذي كان ــ الموجي ــ يطلبني ترديده دائما في المجلس، حضر مصطفى أحمد مجلسنا يوما ما فطلب «سرى ليلي» وأعطيته الأغنية.
• احكي لنا عن علاقتك بالموجي وعبدالحليم؟
- الموجي صديق عزيز ــ رحمه الله ــ وقضى معي أكثر من شهرين هنا في جدة عندما كان يتابع تأكيد تملك جده لقطعة أرض كبيرة في المدينة المنورة مع الأمير الراحل عبدالمحسن بن عبدالعزيز، الذي استقبله وأكرمه إلا أن موضوع الأرض لم يكتمل لأنها كانت تملكا قبل العهد السعودي، واسم الأرض بالفعل «الموجية» وهي لم تزل معروفة في المدينة المنورة بنفس الاسم حتى الآن. وكنا يوميا نلتقي في بيتي طوال فترة تواجده في جدة وصدف أن كان زفاف الأمير طلال بن منصور في تلك الفترة فشارك معنا بالغناء في الحفل مع طلال مداح ومحمد عبده وغيرهم، أما عبدالحليم فجمعني به داعمي الفني الأول محمد العبدالله الفيصل، الذي كان يمول كل تكاليف أسفارنا للتسجيل وتكاليف التنفيذ، وكان سيجمع بيني وإياه نص محمد العبدالله «انادي» إلا أن قوله بعد أن أعجب باللحن: ما الذي سيضيفه لحنك لي؟، جعلني أتردد ولم أواصل معه بل وقلت له أيضا ــ رحمه الله ــ وما الذي سيضيفه صوتك لسراج عمر؟!
كنت سببا في لقب فنان العرب لمحمد عبده .. الموسيقار المكتئب الفرح .. سراج عمر :
انطلقت من قصبة الهنود وتصرفات عبد الحليم جعلتني أقطع علاقتي معه
26 أغسطس 2010 - 22:03
|
آخر تحديث 26 أغسطس 2010 - 22:03
انطلقت من قصبة الهنود وتصرفات عبد الحليم جعلتني أقطع علاقتي معه
تابع قناة عكاظ على الواتساب
حوار: علي فقندش

